اهم الأسئلة التي يمكن ان نطرحها قبل الخوض بتفصيلات الموضوع هي، لماذا أجريت الانتخابات قبل موعدها المحدد؟، ولماذا تلجأ الدول الى اجراء مثل هذه الممارسات الديموقراطية بوقت معلوم كل أربع سنوات؟، سنعفيكم من مهمة الإجابة على هذه التساؤلات ونقول ان الهدف الأساس من تحديد الموعد المبكر لهذه الانتخابات هو اضطراب الوضع السياسي الذي قاد الى اندلاع المظاهرات في تشرين من عام 2019 وحدث ما حدث لا داعي لذكره الآن.

الانتخابات عادة تسهم في حلحلة الأمور وفك التعقيدات الحاصلة بالمشهد، باعتبارها هي المخرج الرسمي والقانوني الذي يصبح حَكَماً بين القوى المتنازعة على السلطة، الا ان الانتخابات في العراق على العكس تماما من جميع ما يحصل بالدول، فقد زادت من التعقيدات، وضاعفت من الاختناقات السياسية بدلا من حلها.

ومع اقتراب الإعلان النهائي للاستحقاقات الانتخابية تتصاعد وتيرة المارثون السياسي لحسم موقف الكتلة الأكبر التي خولها الدستور العراقي بتشكيل الحكومة المقبلة، وهنا بدأت المبادرات من الزعماء السياسيين تطرق مسامعنا، وأخيرا ما تقدم به زعيم تحالف قوى الدولة السيد عمار الحكيم من مبادرة يريد بموجبها ان يكون نوع من التوازن بين الكتل التي ستشارك بالحكومة والأخرى التي ستكون معارضة في البرلمان.

ضاربا بتلك المبادرة العملية الانتخابية بأكملها، وداعيا الى تمثيل المناصب يكون وفق الوزن السياسي وعدد الاصوات وليس عدد المقاعد الانتخابية التي حصلت عليها التحالفات والكتل المُنظَمة تحت الإطار التنسيقي نتيجة المشاركة البائسة في الانتخابات الأخيرة والتي كشفت الحجم الحقيقي لكتل الإطار، وبينت مدى عدم الرضا من قبل الجماهير عليهم لذلك حاسبتهم وانزلت بهم اشد أنواع العقاب واقساها.

جرى العرف الدستوري في العراق بعد تغيير النظام السابق ان تكون الخارطة السياسية وفق التقسيمات الطائفية، أي السنة يحصلون على رئاسة البرلمان، والكرد من استحقاقهم الحصول على رئاسة الجمهورية، وتبقى الحصة الأكبر والاهم هي رئاسة الحكومة وتشكيلها للشيعة، ووفق هذه الادبيات فان الشيعة اليوم وحدهم المتحكمين بهذا الخيار ولا يوجد من يفرض عليهم رأيه.

التحالفات المذكورة قبل قليل وهي (الإطار التنسيقي)، غير مقتنعة ولا تريد التصديق بفوز التيار على الرغم من حصده مقاعد مكنته من الصدارة الشيعية، وافرزت الانتخابات الأخيرة تبلور كيانان يتنافسان على رئاسة الحكومة، الأول بقيادة نوري المالكي الذي عاد البريق الى قائمته مقارنة في الانتخابات السابقة، والثاني بزعامة السيد مقتدى الصدر الذي يرى له الحق وحده بتشكيل الحكومة معبرا عن ذلك بـــ (صدري قح).

جبهة الإطار التنسيقي ترى في شخصية المالكي القدرة الكاملة على المناورة وسحب البساط من تحت التيار الصدري صاحب الاحقية بعقد التحالفات وتشكيل الحكومة المقبلة وتحقيق الحلم، لكن الصدر يعلم جيدا ان لا حكومة دون الاتفاق مع شخصيات الإطار، ويعلم أيضا انه غير مرحب به من قبل الكتل السنية والكرد، لذلك لم يبقى امامه سوى تسوية الخلافات والخروج بأقل الخسائر.

ولا ننسى ان مسار اختيار رئيس الوزراء المقبل لا يخضع فقط للتوافق الداخلي بل يرتبط مع هذا بالعلاقات الدولية والأطراف اللاعبة في العراق، فلا يمكن ان يذهب الصدر بتجاه تشكيل الحكومة، دون العودة الى هذه الأطراف او على اقل تقدير الحصول على الضوء الأخضر منها، ومصداق ذلك الزيارة الأخيرة لقائد فيلق القدس إسماعيل قآني، وترقب زيارة مماثلة للمبعوث الأمريكي للشرق الأوسط بريت ماكغورك لبحث ما سيترتب على نتائج الانتخابات وعملية تشكيل الحكومة المقبلة.

وفق المعادلة آنفة الذكر تزداد الأمور تعقيدا وضغطا على الأطراف الداخلية، وتقل فرص التوصل الى نقطة تفاهم وحوار ذو جدوى فعلية، طالما يوجد طرف يدعي الاحقية وآخر يحاول سلب هذا الحق، ستبقى الازمة قائمة والانسداد يطول امده ولا انفراجه قريبة فيه.

لم تتمكن الانتخابات الأخيرة من تحسين صورة العلمية السياسية امام الجمهور وجعلهم يوثقون بها، على انها المفك المتعدد ومفتاح العقد الأخيرة التي أحاطت بالعملية السياسية وتسببت باحتقانات بين الشركاء في البيت الشيعي، وما يؤكد هذا الامر هو تصريح السيد الصدر الأخير الذي لمح فيه الى شكل الحكومة القادمة، واكد تمسكه بالاستحقاق الدستوري.

بالمختصر الفائزون والاقل خسارة والخاسرين من المكون الشيعي، لديهم القناعة الكافية بعدم تشكيل الحكومة المقبلة الا بحصول التوافق بين الزعماء، وكل ما يقال ويطرح من أفكار ومبادرات هي لترطيب الأجواء والاقتراب شيئا فشيء من نقطة الالتقاء، لكن يبقى الذي لا نعمله نحن المواطنين والمراقبين هو متى يحدث هذا التوقع على ارض الواقع، فمن الصعب جدا استقراء الخطوات القادمة.

اضف تعليق