ما يثير التندر في حياتي الوظيفية التي مضى عليها أكثر من ربع قرن ان استمارات المعلومات التي ملأتها فاقت بأضعاف مضاعفة البحوث العلمية والمحاضرات النوعية التي أنجزتها والتي تشكل جوهر عملي الجامعي، ففي كل مرة يسألونك الأسئلة ذاتها، بضمنها تلك التي تثير قلقك وتشيع الرعب في دواخلك كقولهم: هل لديك معدوم، او قريب خارج العراق وحتى الدرجة الثالثة، وهو فحوى جميع الاستمارات التي كانت تُطلب ابان النظام السابق، فاذا كان لديك معدوم، او منتم لجهة سياسية غير الحزب الحاكم، او قريب فر من جحيم الحروب والحصار، لا يرتاح لك بال الا بعد مضي أشهر على الإدلاء بها، وقد تكون من الذين لا يُعرف لهم خبر.

وفي زمن الديمقراطية (المعلبة) لم تتوقف الاستمارات، ولم تختلف الا في سؤالين: هل كنت من المنتمين للحزب المقبور، وهل اثريت من وظيفتك؟ وما زال السؤال الثاني ساريا بالرغم من سرقة الدولة بكاملها، لكن أحدا لم يسأل عن ثراء دعاة العراق الجديد الذي زكمت روائحه الانوف، ومع ذلك تتلاحق الاستمارات، فما ان تُكمل الورقية حتى تطل الالكترونية، وكأننا لم نزودهم بمعلومات من قبل، او لا وجود لقاعدة بيانات سابقة يمكن اعتمادها، بينما يتشدقون بالحكومة الالكترونية وتكنولوجيا المعلومات.

ليس هذا ما اريد قوله، لكن خيالي يجنح في الغالب، وهو من أمراضي العقلية المزمنة، ما وددت الحديث عنه في هذا المقال: ان الافتراض يذهب الى ان لكل معلومة وظيفة واضحة، وقد يشاركني البعض الرأي في ان بعض المعلومات لا وظيفة لها في الاستمارات او الوثائق التي تطلبها الجهات المعنية، ولا يُستفاد منها على الاطلاق، ومثال ذلك (اللقب العشائري) تحديدا، ما يدعونا الى السؤال عن وظيفته، وبأي مجال ينفعنا اداريا؟ فالأشخاص معروفون بأسمائهم الرباعية مع أسماء امهاتهم وأجداد الامهات في مختلف البطاقات من هوية الأحوال المدنية الى شهادة الجنسية وجواز السفر وغيرها، فما الداعي للتعرف الى اللقب العشائري، يبدو لي ان طلب ذكر اللقب من السياقات الادارية القديمة التي يعود استخدامها لفترة خضوع العراق للسيطرة العثمانية، وبالرغم من مضي قرون على ذلك ما زلنا نستخدمها دون التفكير في وظيفتها، ولا أعرف على وجه الدقة فيما اذا كان الاستخدام العثماني للقب مبررا ام لا.

ومع اني لا ارى في العشيرة الا وهما له كيان اجتماعي، يقوى ويضعف بحسب قوة الدولة وضعفها، الا انه من غير اللائق لدعاة دولة المؤسسات اللجوء الى الوهم بديلا للقانون في المنازعات، او التعكز على العشيرة في الانتخابات، فحضورها كان لافتا في الدعايات الانتخابية التي رفعها من يطالبون بالتصدي لكيانات اللادولة من أجل استعادة الدولة المفقودة.

ثمة محاولات مُنيت بالفشل جرت قبل عقود لتحرير الناس من هذا الوهم، لكن ضعف سيادة القانون دائما ما يدفع الناس للاستنجاد بالعشيرة كقوة ضبط للسلوك الاجتماعي، وكيان بمقدوره استرجاع الحقوق في غياب الدولة، وساتر للاحتماء من مخاطر أوهام اخرى كالطائفية، ولا يمكننا لوم الناس على ذلك، فالساقط في النهر يمسك بالأفعى لإنقاذ نفسه من الغرق على حد تعبير الكاتبة الكبيرة أحلام مستغانمي.

لقد صارت بعض الشرائح الاجتماعية في دول اسلامية تدعو الى رفع الديانة من الوثائق الرسمية لانطوائها على تمييز بين الأفراد في المجتمعات المتنوعة، بالرغم من أهمية هذه المعلومة في المحاكم الشرعية، او لعدم استغلالها في العنف على أساس الهوية كما جرى في بلادنا أثناء السنوات السود التي راح ضحيتها شباب أبرياء بسبب أسمائهم التي توحي بالانتماء الى طائفة بعينها.

ان ذكر اللقب في الوثائق ينمي لدى أطفالنا الولاء الى العشيرة على حساب الولاء للوطن، ولأنها وهم ما ذكرتها يوما الا مجبرا، او مجاملة للمؤمنين بالأوهام.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق