آراء وافكار - مقالات الكتاب

سترة نجاة مثقوبة

عندما كنت طفلا كغيري من الأطفال استمع الى حكايات جدتي اللطيفة والتي تذهب بخيالي الى عالم مليء بالجمال والرقة ولا يخلوا من حكم مفيدة، وحين الانتهاء من سرد تلك القصص الجميلة ينتابني الحزن، بينما هي تهم للبحث عن حكاية أخرى أكثر اقناعا وحبكة من السابقات لتستحوذ على اهتمامنا بها وتمضية الوقت بسلاسة دون شعور بالملل والضيق.

سلسلة حكايات جدتي نفسها تتردد في الوقت الحالي لكنها عبر الحكوات المنتمين للأحزاب السياسية الحالية، اذ يطلون علينا يوميا بروايات وجمل مختلفة عن سابقاتها بهدف إبقاء التأثير علينا وغسل ادمغتنا بشيء جديد تحاول من خلاله تمرير مبرراتها بعدم تقديم الخدمات للمواطنين طيلة وجودهم في السلطة والمراكز المهمة حتى خدش مسامعنا بما قاله بعض المرشحين في الانتخابات السابقة.

من المضحك حقا إصرار النخب السياسية على تكرار ذات الحكايات الشعبية على جماهيرهم، والعنصر الأهم من هذا كله، أن هذه الحكايات أضحت أحد الأسباب المباشرة في فشلهم السياسي الذريع، ولم يعد الكثير منهم ممثلًا لهذا الجمهور الذي تم استغفاله قرابة العقد من الزمن، وهذا ما أفرزته لنا الانتخابات الأخيرة، ولم تستطع تلك الحكايات المضحكة من التغطية على نهجهم المتعثر.

الشعارات المكررة في جميع الفعاليات والمناسبات الوطنية وغيرها لم تضع حد للمعاناة المتواصلة التي منيت بها المدن العراقية التي تتمتع بحالة امنية مستقرة، ولا يوجد أي عائق او مانع لتقديم الخدمات المختلفة وجلب الاستثمارات الخاصة بالمدن التي لم تشهد عمليات امنية او هجمات من قبل العصابات الإرهابية.

فمن الخطأ ارجاع عدم تحسين أوضاع هذه المدن الى الأوضاع غير المستقرة، فأحزاب الإسلام السياسي وغيرها من المشتركين في العلمية السياسية هم أصحاب القرار او المؤثرين الى حد كبير بهذه الاتجاه، ولا يستطيع أحد منعهم من ذلك في حال وجود إرادة حقيقية ووقفة وطنية لانتشال هذه المناطق التي عانت الكثير منذ النظام السابق ولغاية الآن تستمر بنفس المعاناة.

اغلب المحافظات ذات الصبغة الشيعية لم تنال حظها من الخدمات على الرغم من تسنم زمام الأمور فيها من قبل الأحزاب الشيعية، ولسبب بسيط جدا هو عدم الوصول الى ثقافة من قبل هذه الكتل، ان المنصب هو مكان لتقديم الخدمة وليس غنيمة من الغنائم التي تعود على الحزب او الكتلة بالريع الوفير، ومن هنا تحول المنصب من مكان للخدمة الى متجر، مع الاستمرار بترسيخ المؤامرة كمفهوم وعامل جوهري يمنعهم من توفير الخدمة اللائقة للمواطنين.

في السابق كانت الجهود والآمال تتركز بتسليم الحكم للأغلبية في البلد، وعندما تسلمت هذه الأغلبية لم تُحسن التصرف ولم تستثمر القوة التي تمتلكها بجميع الاتجاهات، مع ذلك ازدادت حالات الفساد الإداري والمالي، وكذلك هنالك نمو واضح في معدلات العاطلين عن العمل وازدياد حالات الفقر الى اعلى مستوى مقارنة بالأوضاع العامة التي كان يعيشها الافراد في الفترات الماضية، على الرغم من امتلاك البلد ثروات وطنية هائلة لكنها بُعثرت على ايدي السراق.

من مساوئ او ملامح المرحلة الحالية هي عدم وجود خطاب عقلاني يحاسب الذات المقصرة، فلا يوجد من بين الأحزاب الحاكمة تحديدا، من يجلد ذاته ويحاسبها على تقصيرها بحق الشعب او الجمهور التابع لها على اقل تقدير، ونحن هنا ليس في محل التقليل من حجم الأخطاء التي ارتكبتها الأحزاب المشاركة لها، فالجميع شركاء وكلهم مسؤولون عما حل بالشعب العراقي، ولكن يبقى الجزء الأكبر من الحساب يقع على عاتقهم.

فلم تتمكن الأحزاب من تجاوز عقبة الآخر المتآمر، وبالتالي لن يبقى هنا أي وزن للمنطق، طالما يوجد في ادبيات الأحزاب الحاكمة هذه النظرية، يبقى الحال كما هو عليه او بالأحرى هنالك خشية من التراجع المستمر، وعدم وضع خطة لبناء دولة المؤسسات الرصينة وتولي ادارتها من قبل شخصيات كفوءة ومتخصصة متمكنة من وضع الخطط الناجحة والكفيلة.

من يبحث عن الحقيقة المطلقة وراء تلكؤ تقديم الخدمات المختلفة للمواطنين لم يهتد الى السر العميق الذي يختبئ في محيط المجهول، ويبقى يدور في فلك الحيرة والجهل بما سيحصل في الأيام القادمة، لا سيما وجود ارتفاع كبير في أسعار النفط وصولا الى عتبة الثمانين دولار للبرميل، ما يعني وجود فائض كبير وفارق يمكن المعنين من احداث نقلة نوعية بالملف الخدمي وتحسين الأوضاع العامة.

اضف تعليق