قصف منزل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لا يتحمل صبرا أكثر والشعب العراقي أصيب بالإحباط من هذا التصرف غير المحسوب والمتهمة فيه الفصائل المسلحة التابعة لإيران، وعلى الرغم من امتعاض الأخيرة من حركة الاستهداف الا ان التهمة مطموغة بالمجموعات الموالية لها، وربما تنتظر كما الملايين من الشعب العراقي القرارات الصعبة التي سيتخذها المستهدف الأول من الطائرات المسيرة الثلاث.

الدافع الأكبر وراء الاستهداف ان صحت الرواية الحكومية ولم نعرف لحد الآن الجهة الحقيقية التي تقف وراءه، هو اضعاف هيبة رئيس الحكومة الحالية والذي يدور الحديث عن توليه الولاية الثانية بدعم من الكتلة الصدرية والجهات القريبة منها، لكن هذا لن يحدث الا بعد الاتفاق او اخذ الضوء الأخضر من الولايات المتحدة الامريكية وإيران أصحاب المصالح المشتركة في العراق.

فالاستهداف افاد وأضر الموقف الحكومي بنفس الوقت، افاده من خلال كشفه النيات السوداوية التي تضمرها الاطراف المتهمة بتنفيذ الهجمات في السابع من الشهر الجاري، وبالنتيجة تصاعد منسوب الحقد وعدم الرضا عليهم من قبل الجمهور الناقم نتيجة تصرفاتهم المشبوهة وتحركاتهم في العاصمة بغداد واسهامهم في ارباك الوضع في الفترات السابقة وهو ما أسس لمثل هذا الانطباع او التصور.

واضره من ناحية كشفه ضعف الحكومة التي لا تتمكن من حماية نفسها وهي في أكثر المناطق تحصيصنا، فقد عكس صورة الى المجتمع الدولي ان العراق تسوده شريعة الغاب، وان لا مكان للاستثمارات الدولية التي تحتاج الى بيئة آمنة وحماية مضمونة لرؤوس أموالها التي ستنفقها في المشروعات الاستثمارية المتوقع منها تشغيل آلاف الايدي العاملة.

التطاول الأخير ليس الأول من نوعه فقد وجهت الفصائل العديد من الاهانات لأعلى الهرم الحكومي، اذ ابتدأ المشوار من الوقوف على صورته بعد الافراج عن بعض العناصر التابعة لتشكيل مسلح، وتوالت الاعتداءات واحد بعد الآخر، وصولا الى استهداف مقر الاستخبارات في منطقة المنصور عقبها الطائرات المسيرة.

هذه التطورات والانتقال بمراحل الصراع الى هذا المستوى يجعل القائد العام للقوات المسلحة امام سيناريوهات متعددة وقد يكون مجبرا على تنفيذ أحدها تهدئة للرأي العام واستثمارا للدعم المحلي والإقليمي والدولي الذي حصل عليه جراء الضربة الأخيرة، اذ اعطته مساحة أكثر في التحرك لتصفية خصومة والابتعاد عن لغة التعقل قليلا.

فالمرحلة القادمة من المراحل الصعبة التي ستواجه الكاظمي، وعليه تحقيق ما يرغب الجمهور بحدوثه، اذ يأتي في مقدمة الخطوات الواجب حصولها هي الكشف عن الجهات المسؤولة عن الاستهداف بعد إكمال عناصر التحقيقات وعدم ترك الأمور سائبة غير مفهومة مثلها مثل الحالات التي حصلت في الماضي، كالكشف عن قتلة المتظاهرين والناشطين المدنيين وغيرهم.

الكشف عن هوية الفاعلين يحمل الكثير من الأهمية، وتتمثل في جعلهم امام مقصلة الجمهور في الأيام القادمة وهو من يتكفل مسؤولية محاسبتهم وتحمل المسؤولية لخلق رأي عام مناهض لتحركاتهم غير القانونية عبر المنصات الاجتماعية وتكوين حالة من الضغط المضاد للتقليل من هذه الممارسات وتأثيرها على الافراد.

لكن الاعلان عن هوية الجناة ربما سيجعل رئيس الوزراء يصطدم بصعوبة التنفيذ واختيار طبيعة الرد المناسب الذي يعيد الهيبة المفقودة على ايدي الجماعات غير المنضبطة، ولا يمكن ان ينفذ ما يقترب من الاذهان، ذلك لان تنفيذه سيؤدي حتما الى حرب داخلية بين القوات الأمنية والجهات الداعمة لهذه المجموعات والواقفة وراءها.

بعد جملة الاستخفاف والتقليل من مكانة الحكومة العراقية وبالخصوص بعد تشكيل الحكومة الحالية يحاول رئيس الوزراء تجنب الصدام المباشر مع الجهات المناوئة له ولتحركاته الإقليمية والدولية، لكن اليوم امر إعادة ما فقد من سلطة الدولة منوط بشخص الكاظمي وحده، كونه صاحب القول الأعلى في المعادلة الوطنية، وعليه ان يعي حجم مسؤولية القرار المنتظر اتخاذه في الأيام القادمة.

الاتزان العابر للحدود في التحرك والتصرف قد يفسره البعض ضعفا وليس صحيحا ان يركن اليه رئيس الوزراء، وعليه ان يحاصر من سولت له نفسه الوقوع بهاوية الاعتداء على كرامة الوطن، فالوقت حان للإقدام على مثل هذه القرارات الصعبة للغاية لكنها لم تتحمل التأجيل أكثر، لاسيما وان الطرف الآخر بدأت تنحسر مقبوليته وتضيق قاعدته الشعبية.

اضف تعليق