تدفعُ الانتخابات في العراق الى الخوض في البحث عن تأثير البطالة ونقص الخدمات، وسوء إدارة المؤسسات، وانهيار البنى التحتية، على نتائجها، وفي مراجعة آليات التفكير العراقي وثوابته، على الأقل منذ العام 2003، والذي عوّل في منطلقاته على ديمقراطية لم تترسخ بشكل جذري، وحالت دون ثمارها، ثوابت طائفية وعشائرية، وأصنام اجتماعية، يصعب الاستغناء عنها، مثلما ارتكن من الناحية الاقتصادية على الريع النفطي، الذي ترسخ في التخمين العراقي، كونه كافيا لان يكون العراقيون، الشعب الأغنى بين الأمم.

التفكير العراقي، الذي تجسده النخب الاكاديمية ومراكز القرار، وأهل الحل والعقد، وطلائع الشباب المتعلم، وفتيان الجيل الجديد، يحاول الفكاك من الخيالات الثقافية، والاجتماعية، و"الثقافة النفطية"، لكنه الى الآن لم يتحرر منها بالكامل، بسبب العلاقة الخلافية مع الواقع، والقوى الاجتماعية والاقتصادية، المستحكمة، والتي تحول دون التحديث والاستجابة للعصر.

واحدة من المثالب التي تهيمن على الاعتقادات الجمعية، ان حاملي لوائها يقفون على جلمود الماضي، منطلقين من تجارب سالفة، لم تعد تصلح قياسا مناسبا للحياة العصرية، لكنهم يعدونها نموذجية، فيعمدون الى تزيينها، وتمويه مساوئها، والتستّر على خواء ملائمتها لروح العصر، لتكون النتيجة، تأويلات لفظية وفكرية قصيّة عن التفسير العقلاني للأحداث، تأصّلها نخب طوباوية، واهمة، منفصمة عن الواقع.

وفي الغالب، فان استنباطات التفكير العراقي، حتى في مجال الانتخابات، ليست حرّة، بل هي رد فعل ارتجالي لمؤثر خارجي، اعلامي، او أمني او اقتصادي، وإذا ما انعدم المؤثر، ترنحّت آلية التفكير، وفاءت الى الكسل الذي يستلهم مورفين نومه من قصص التاريخ وامجاده الغابرة التي أبرأتها الشعوب الأخرى.

وحتى في الحالات التي كتب فيها المنتصرون، التاريخ، وكان فيه العراقيون، خاسرين، فانهم على استعداد دائم لتوظيفه في حياتهم العصرية، رغم إدراك المغالطات فيه، ما أنتج ثقافة متعامدة مع الحاضر، لم تثمر عن انجاز، ولم تبرهن عن حيوية، وقدرة على التسلسل التصاعدي.

الدليل على تخاذلية التفكير العراقي، هو إنتاجه لإدارات خائبة، قادت البلاد الى المجهول، ومن ذلك الحرب العراقية الإيرانية العبثية في ثمانينيات القرن الماضي، وما تلاها من نكسات، لم تمنع العراقي ابدا من الإصرار على الصلف الحضاري والنفطي والتاريخي في عبارات انفعالية عن حضارات بابلية وسومرية وأكدية، سادت ثم بادت، وعن ثروة نفطية هائلة لم تحفّز حتى على التأسيس لشركة مهنية واحدة تستثمر في باطن الأرض من دون خبرات اجنبية. وينطبق هذا الحال على باقي المجالات.

يحتاج العقل العراقي، وهو يعيش عصر الفيسبوك، والواتساب، الى تجاوز الثقافة الاجتماعية والسياسية المترتبة عن الغزو الأميركي للعراق 2003، والوثوب فوق التداعيات التي افرزتها، من رق سياسي وميكانيكيات تفكير لم تعد مناسبة لمرحلة ما بعد تظاهرات الأول من تشرين 2019.

التفكير العراقي، يجب أنْ يؤسّس لأنساق علمية وعملية لمواكبة العصر، والتأسيس لدولة، ولن يتم ذلك الا عبر صندوق اقتراع نزيه، وحر.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق