عرضت احدى القنوات المتخصصة بعرض الافلام الوثائقية تحقيق عن حياة قسم من المخلوقات التي يقوم ذكورها بقتل المولود الجديد خشية منه عند الكبر، وبذلك القتل تبقى السلطة بيد الاب الكبير وتسير الأمور وفق هذه الشاكلة، اذ يحرم الصغير الجديد من الوصول الى مركز القيادة بتقادم الزمن ويقطع الموت هذا المشوار من اوله، ولم يقتصر الامر على هذه الاحياء، بل تجد الطبقة السياسية الحاكمة والمترأسة لاحزابها لا تفسح المجال للطاقات الشبابية لتتقلد هذه المناصب المتقدمة.

الغرض الوحيد من بروز هذه التصرفات هو القلق من ظهور البديل الناجح الذي من الممكن ان يحل محل القيادة التقليدية القديمة، والقيام بالثورة التجديدية الثائرة على القواعد البالية التي استقر عليها نمط هذا الحزب او تلك المنظمة دون الوعي بضرورة بث الروح الجديدة والابتعاد عن الرتم السائد ذو الأساليب المملة والمكشوفة.

فغريزة الخوف من الآخر وعدم اعطاءه المجال الكافي لإثبات وجوده، هي صفة تكوينية يشترك فيها الانسان مع الكائنات الأخرى، لكنها تنمو وتزدهر في الأنظمة التسلطية وتصبح السمة الأبرز في التعامل مع شعوبها على مختلف الأصعدة، وعلى نفس النهج سارت الأحزاب التي جاءت تحت عباءة الديموقراطية، لكنها لا تختلف عنها في جزئية القيادة ابدا.

صراع الزعامات الحزبية طفت للسطح بصورة جلية في السنوات الأخيرة التي ازدادت فيها الخلافات على المناصب والمكاسب، فتجد من يحتل موقعا مرموقا في حركة او حزب معين، يظهر علينا معلنا تشكيل جبهة سياسية جديدة، تلتقي مع حزبه الام بالكثير من المشتركات، وما تم تغيره فقط عنوان الرئيس، ما يعني الهدف الأساس من وجود الجنين الجديد هو الشعور بالزهو والتملك والنشوة.

ودليل ذلك هو عدم الاتيان بجديد يذكر، وبالتالي يمكن القول ان الانفصال جاء بسبب ارتطام الأفكار وعدم انسجامها والخروج منها برؤية موحدة قادرة على تحقيق التغيير المطلوب، وتبيان عملية النضج الفكري ونبذ القديم الذي أصبح غير صالح للتطبيق في ظل تطور نظريات علم السياسة الداخلية والخارجية.

ولكي تسكت الجماهير او تنخدع بوجود بدائل او منافسين في الوسط السياسي، تقوم الأحزاب المفترسة للسلطة، عن طريق اظهار بدائل مزيفة تأخذ حيزا صغيرا من المهام التي يقوم بها الحزب ونشاطاته المختلفة على جميع الجوانب، ولا تعطيهم الفسحة الكافية لإداء مهامهم، وبالتالي تترسخ نظرية عدم وجود البديل الناجح الذي يتمكن من إدارة الدفة وعدم حصول خلل في حال غاب وغُيب الرئيس القديم.

وهنا يجدون الافراد غير المرتبطين بالأحزاب أنفسهم مسلمين بقبول الواقع المرير، لان الأغلبية من أنصار الحركات والمنظمات تم ترويضها واقناعها ان من يتصدون لزمام الأمور، لا يوجد من هو أفضل منهم للنزال في معركة النظام السياسي الجديد، وتبقى الرحى تطحن آمال الجميع بالتغيير المطلوب الذي لم يحدث ببساطة.

ومن أساليب التعامل مع النخب الصاعدة والتي حظيت برضى الجماهير سواء داخل الحزب او خارجه هو التعامل الخشن الذي يشعرهم بعدم قدرتهم او مجاراتهم المتطلبات المرحلية، ويتبع ذلك حملة لتدمير قوى الشخصيات الصاعدة، وتفكيك قواها ولا تصلح بعد هذه الحرب الى للضجيج الإعلامي وسرعان ما تفقد بريقها وتنزوي الى ركن بعيد خارج نطاق العمل السياسي او البقاء على الهامش.

ويبقى الصراع بين القيادات القديمة والدماء الجديدة قائم دون انقطاع، وما نعلمه ان القيادي البديل قادم لا محالة، وكما يقال للصبر حدود، وستنتهي القصور المشيدة والموانع الكثيرة التي أحاطت نفسها بها الشخصيات المخضرمة، اذ سيجد الشباب فرصتهم للتغيير وسيكونون هم البديل الناجح والمتمكن من نسف امارة القيادات المستبدة التي تصورت خطأ بعدم وجود من يحل محلها ويشغل مكانها أفضل منها بكثير.

اضف تعليق