أثنى أعضاء مجلس الأمن الدولي على المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق لإجرائها انتخابات سليمة من الناحية الفنية، كما اشادوا بتحضيرات الحكومة العراقية للانتخابات وإجراءاتها لمنع العنف في يوم الانتخابات.

جاء بيان مجلس الامن الدولي ليعزز نظرة جهات عديدة مقتنعة بأن الانتخابات المبكرة في العراق ورغم بعض الاخفاقات كانت افضل من اي انتخابات اخرى جرت في الدورات الانتخابية السابقة.

لا يعني انها انتخابات مثالية، لكنها افضل مقارنة بسابقاتها، مستفيدة من الدعم الذي قدمته الحكومة للمفوضية، فضلا عن الاجراءات الفنية التي قامت بها المفوضية، ووجود المراقبين الدوليين، والاعداد الكبيرة من المراقبين المحليين والتنافس الشرس بين المرشحين الذي وفر رقابة داخلية قوية.

وما عزز من نسبية النزاهة الانتخابية هو خوف الكتل السياسية من تكرار تجربة عام ٢٠١٨ التي اتسمت بسوء الادارة الانتخابية، وضعف الدعم الحكومي للمفوضية، وحداثة النظام الانتخابي الالكتروني والذي بات الان افضل من سابقه.

من اين جاءت تهم التزوير؟

الكيانات والقوائم الانتخابية التي اتهمت الحكومة والمفوضية بتزوير الانتخابات تكاد تكون من توجه سياسي واحد، ليست الخاسرة فقط، انما بعض القوى من تحالف الفتح وقوى اخرى منضوية تحت مظلة الحشد الشعبي، وهم الان يتظاهرون على بوابات المنطقة الخضراء عبر جلب المقاتلين من الميدان ودفعهم الى صفوف المتظاهرين.

بمعنى ان المتظاهرين هم في الحقيقة مقاتلين بالحشد الشعبي، وربما تم جلبهم بأوامر عسكرية، ما يجعل التظاهرة بعيدة عن التوجه الشعبي، واقرب الى التهديد العسكري.

اما الادلة التي تسوقها القوى الرافضة للانتخابات فإنها لا تستند الى ملاحظات فنية بقدر اعتمادها على خيال صاحب التهمة، وتعكزه على وجود "مؤامرة" تحاك ضد مكون سياسي معين بهدف اسقاطه، بحسب خطابه المكرر.

الملاحظ ان تسويق تهمة التزوير جاء من كيانات سياسية تميزت بسوء الاداء خلال الدورة البرلمانية السابقة، فتحالف الفتح (والقوى الحشدية الاخرى) لم يستطع خلال الدورة البرلمانية السابقة تحقيق مكاسب قوية لجمهوره الذي كان يتوقع منه الكثير.

لم يدافع عن مصالح جمهوره بنفس القدر الذي دافع فيه عن مصالح اقليمية ودولية، فكانت اولويته بعيده عن تطلعات المواطنين العراقيين، ولم يستطع حتى الان اعادة المفسوخة عقودهم داخل هيأة الحشد الشعبي.

الخلافات كانت واضحة بين قيادة تحالف الفتح، وظهر جليا في عدة مواقف منها موافقة السيد هادي العامري ومباركته حوار الاطار الاستراتيجي الذي قامت به الحكومة العراقية مع الحكومة الاميركية، بينما رفضه زعيم عصائب اهل الحق الشيخ قيس الخزعلي.

وحتى انفصال كتائب حزب الله وتشكيلهم قائمة انتخابية باسم "حركة حقوق" ياتي في سياق الخلاف العميق داخل القوى المنضوية تحت راية هيأة الحشد الشعبي، التي تباين في ارائها السياسية خلال المدة السابقة.

وفي هذه التظاهرات كانت الخلافات واضحة بين اطراف الفتح والقوى الحشدية الاخرى، بعضها رافض لنتائج الانتخابات واخرى صامتة وتدعو للمراجعة والاستفادة من الدرس الانتخابي الاهم.

الاداء السياسي السيء هو الذي اسقط تحالف الفتح، ولان قادته لا يريدون الاعتراف بالفشل فهم يخلقون الان بؤرة للحديث السياسي يستفيدون منها للتغطية على فشلهم.

ليس هذا فحسب، بل وقع الفتح في اخطاء فنية كبيرة تتعلق بسوء توزيع المرشحين على الدوائر الانتخابية واختيار اكثر من مرشح في دائرة انتخابية لا تتحمل سوى فوز مرشح واحد للتحالف.

كما ان المناطق الانتخابية شهدت تنافسا شرسا بين عدة قوائم انتخابية على نفس الجمهور (جمهور الحشد الشعبي).

مجلس الامن غير موثوق

بيان مجلس الامن لم يهدئ الرؤوس الحامية، ولم يقنع اي طرف من الاطراف الرافضة لنتائج الانتخابات، وتمت مواجهة البيان بخطاب عكسي استعاد ذكريات القرارات السيئة لمجلس الامن تجاه الشعب العراقي وفرضه عقوبات قاسية خلال تسعينيات القرن الماضي.

بالطبع هذا لن يعيد الانتخابات ولا يقلل من شأن البيان، ولا النزاهة النسبية للعملية الانتخابية، لكنه يفيد كوقود للخطاب المناوئ للنتائج، ويعزز نظرية "المؤامرة" المنتشرة بقوة حول وجود قوى دولية تريد النيل من مكون سياسي معين واضعافه ثم انهائه تماما.

المشكلة التي يخلقها هذا الاعتراض شبه العسكري هو تأسيسه لسلوك سياسي قد يتكرر مع كل انتخابات، ربما ستقوم به جهات سياسية خاسرة تملك قوة عسكرية شبه مستقلة عن الحكومة وتتحكم بها احزاب لا ترضى الا بالفوز الكبير داخل مجلس النواب.

واي تأسيس لسلوك سياسي خطير يتحمل نتائجه المؤسس، لذلك اذا ارادت قوى الحشد حفظ مصالح ناخبيها، فعليها من الان مراجعة قراراتها السابقة وطريقة ادائها السياسي، واصلاح الاخطاء، وتعزيز مناطق القوة، واربع سنوات من الان وحتى الانتخابات المقبلة كافية لقلب الطاولة رأسا على عقب.

اضف تعليق