من المحتمل أن يدلي نحو ثلاثة وعشرين مليون مواطن عراقي بصوته في الانتخابات البرلمانية، يوم الأحد القادم، الموافق 10/10/2021، على وفق قانون الانتخابات الجديد الذي قسم المحافظات على دوائر متعددة، وأعطى الحق لكل ناخب أن ينتخب مرشحا واحدا، وسيفوز المرشح الحاصل على أكثر الأصوات.

ويحظى موضوع الانتخابات بأهمية خاصة لدى العديد من المرجعيات الدينية ورجال الدين، ومن صور هذا الاهتمام المحاضرات والبيانات والمواقف التي تصدر عن هؤلاء العلماء قبل الانتخابات، والتي يعبرون فيها عن رأيهم في المشاركة من الانتخابات أو عدمها، وفي التوصيات والنصائح التي يقدمونها للمواطنين. هذا الاهتمام لعلماء الدين لا يأتي لكون الانتخابات ظاهرة سياسية واجتماعية متكررة، ينبغي أن يتفاعل معها رجال الدين، ويدلوا بدلوهم فيها، لاسيما في الوقت الحاضر، بل إن الانتخابات تحظى بالاهتمام لدى علماء الدين كونها جزء من فقه المنظومة السياسية الإسلامية التي توسع في بيانها وشرحها وتفاصيلها عدد كبير من علماء الدين والمرجعيات الدينية.

ومن المرجعيات الدينية المعاصرة التي اهتمت بالانتخابات بمختلف أشكالها وعنوانها، هي المرجعية الدينية الشيرازية، وفي مقدمتها المرجع الراحل الإمام السيد محمد الشيرازي الذي حدد عدد من المركزات التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار عند إجراء أي انتخابات، وهي:

1. الركيزة الأولى: إن الانتخابات محور أساسي في الحكم إسلامي: يرى الإمام الشيرازي، أن الانتخابات ركيزة مهمة في الحكم الإسلامي: سواء كان على مستوى رئاسة الدولة، أو على مستوى نواب الأمة، أو على مستوى حكام الأقاليم والنواحي، بل هي مرتكز مهم في كل مؤسسة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية. فلابد من وجود إدارة أو قيادة أو قائد في كل كيان مجتمعي، وإن الطريقة المثلى لاختيار هؤلاء جميعا هي الانتخابات، لأنها تعبر بشكل عام عن رضي الناخبين، وتمكن المنتخب من أداء مهماتها، بناء على شرعية هذا الانتخاب.

2. الركيزة الثانية: لابد أن تكون الانتخابات حرة ونزيهة: يرى الإمام الشيرازي أن الهدف من الانتخابات أيا كانت هو اختيار المرشحين الذين يرضى بهم عموم الناخبين، والذين يرون أنهم أهلا للنيابة عنهم في إدارة شؤون البلاد والمؤسسات الحكومية. ولكي يتحقق هذا الهدف، فلابد أن نضمن أن الانتخابات ستكون حرة غير مقيدة، ونزيهة غير مزيفة، وإلا فلا معنى لهذه الانتخابات، لأنها خلاف إرادة الناخبين.

3. الركيزة الثالثة: المشاركة في الانتخابات لجميع أبناء الأمة: يرى الإمام الشيرازي أن المشاركة في الانتخابات لا ينبغي أن تقتصر على الذكور دون الإناث، ولا على البالغين دون غير البالغين، ولا على منطقة دون منطقة، ولا على طبقة دون طبقة، ولا على المتعلمين دون غير المتعلمين، بل جميع أبناء الأمة ينبغي أن يشتركوا في الانتخابات، وتكون أصواتهم متساوية، ولا فضل لأحدهم على آخر.

4. الركيزة الرابعة: إن الانتخابات وسيلة فعالة من وسائل التخلص من الدكتاتورية والاستبدادية: يرى الإمام الشيرازي أن الانتخابات من شأنها أن تخلص المجتمعات والشعوب من الأنظمة المستبدة والأنظمة الدكتاتورية، التي تحكم الشعوب فترات طويلة وتتصرف في مقدرات الأمة كملك شخصي للملك أو الأمير أو القائد أو الزعيم. وبناء عليه وجب على الأمة أن تختار وتنتخب قياداتها -على الأقل- في أهم مستوياتها، وهي:

الأول: انتخابات السلطة العليا من الفقهاء الذين هم مراجع الأمة (حقيقة لا صورياً أو مجازيا) فيكون لهم مجلس الشورى.

الثاني: انتخاب رئيس الدولة، مما يصطلح عليه في الزمن الحاضر بـ (رئيس الجمهورية).

الثالث: انتخاب (مجلس الأمة) لنواب الأمة في انتخابات حرة.

5. الركيزة الخامسة: إن الانتخابات تبعث على الاستقرار وتقلل من الفوضى المجتمعية: يرى الإمام الشيرازي أن إدارة أمور الدولة تستلزم منصب الحاكم، ومن جهة أخرى فإن عدم وجود الحكومة يبعث على إخلال النظام وإثارة الفوضى، وهو من أكبر المحرمات. ولأنه لم تحدد طريقة خاصة لتعيين الحكام، فلابد من الشورى، وإجراء الانتخابات العامة، كأفضل طريق لانتخاب وتعيين الحاكم.

6. الركيزة السادسة: إن من الواجب انتخاب الأفضل والأصلح وصاحب الكفاءة، والمسلم يسعى لأمور دينه ودنياه، ويؤديها بالشكل الصحيح الذي أراده الله عز وجل، ويشهد بما يحبه الله ويرضاه باختيار الأكفاء؛ فإن عملية التصويت شهادة يسأل عنها المرء يوم القيامة، قال تعالى: (سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) ولا يخفى أن ما يتم من تجاوزات داخل العملية الانتخابية من شراء للأصوات أو تزويرها محرم شرعا.

7. الركيزة السابعة: تنظيم العملية الانتخابية والتدريب عليها: يرى الإمام الشيرازي أنه من الضروري تنظيم وتعليم وتدريب الشباب على الانتخابات الحرة والمؤسسات الدستورية والتنافس الإيجابي ومختلف الحريات المشروعة، فإن الإنسان إذا لم تتوفر له مناخات الحرية، لن يبدع ولن يتقدم فلا تظهر ولا تنمو كفاءاته.

8. الركيزة الثامنة: للناخب حق التواصل مع المرشح الفائز: يرى الإمام الشيرازي أن للفرد الحق في تمثيل مصالحه حتى بعد نجاح المرشحين في الانتخابات، لأن المرشح الفائز في الانتخابات، يعتبر ممثلاً ووكيلاً للشخص الذي انتخب. لذا لابد له أن يتواصل معه حتى تصبح شرعيته مستمرة، لذلك فإن الذين يستغلون الناس للوصول إلى السلطة يفقدون شرعيتهم عندما يتخلون عن تمثيلهم للمواطن الذي انتخبهم.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2021
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق