ليس من هدف للديمقراطية سوى تحقيق العدالة، العدالة بالمشاركة في اتخاذ القرار، وضمان حرية الجميع في التعبير عن الرأي، وعدم التمييز بين المواطنين على أسس عرقية او مذهبية او دينية.

ولا يُراد بالديمقراطية بعدها السياسي فحسب، بل جوهرها يكمن في بعدها الاجتماعي، لذا صار الحديث عن المضمون الاجتماعي للديمقراطية، فلا ديمقراطية حقيقية مع قمع الحريات الاجتماعية، او عدم تكافؤ الفرص، ولا ديمقراطية مع الوصاية التي يراها البعض بأنفسهم، ويظنون طريقهم صحيحا وطرق الآخرين خاطئة، وما على المجتمع الا السير على نهجهم طوعا او قسرا او تحسبا، واذا فُقدت العدالة.

فالديمقراطية لا شك زائفة، ولا يرتجى منها شيئا، وتشبه الدكتاتورية في نتائجها، بعثرة للثروات، وهدر للطاقات، وبؤس للحاضر، وغموض للمستقبل، وانكماش للسامي من القيم، واتساع للفساد، ومعها تتحول البلدان الى غابة، قويها يأكل ضعيفها، ما يجعل الانهيار وشيكا ومتوقعا في كل لحظة.

وبما ان العدالة هدف الديمقراطية، فلا بد لآليات ممارستها أن تكون كذلك، وأولها عمليات الترويج للمرشحين، فمن خلال النشاط الدعائي عبر وسائل الاعلام التقليدية والترويج الممول عبر المواقع الالكترونية واللافتات المنتشرة في مختلف الأماكن، نلحظ تباينا واسعا، مساحات زمنية كبيرة خصصت لمرشحين معينين، تتكرر يوميا في أغلى الفضائيات العربية والمحلية وشاشات الاعلانات الضوئية، لوحات دعائية كبيرة الحجم وبتصاميم احترافية، تملأ الشوارع وواجهات البنيات بعدد غير طبيعي وفي أماكن بارزة ومنتقاة، ما يعني ان المرشحين يدفعون مبالغ لأصحاب هذه الأماكن، وأغلب هؤلاء المرشحين من الزعماء والأعضاء السابقين في البرلمان.

بينما نرى ترويجا دعائيا متواضعا وخجولا للمرشحين الجدد، ما يشير الى وجود مرشحين أثرياء وآخرين متوسطي الحال، ونعرف ان للحملات الدعائية تأثيراتها في نتائج الانتخابات، لذا كان على مفوضية الانتخابات اتخاذ اجراءات تضمن فرصا متساوية للجميع، كأن تحدد أشكال الترويج المسموح بها، او تشتري مساحات زمنية في محطات تلفزيونية واذاعية توزع بالتساوي بين المرشحين، وبهذا نحقق العدالة بين المتنافسين، ونوقف هدر الأموال.

تسعى الممارسة الديمقراطية الى ايصال المتنورين لدائرة صنع القرار، فتطور الحياة مرهون بالعقول المستنيرة التي غادرت المتخلف من الثقافة، والمتحررة من الأوهام، والمتجاوزة لما هو طائفي وعشائري وحتى قومي لحساب الوطني والانساني. فالذي يغازل نفسا طائفيا او عشائريا او قوميا بهدف الوصول للسلطة لن يسهم في بناء الوطن أبدا، وكثير من الطامحين لقبة البرلمان عملوا على وفق مبدأ مكيافلي (الغاية تبرر الوسيلة)، ومن الوسائل ما هو علني كما في المغازلة العشائرية، اذ يندر أن تجد مرشحا لم يذكر لقبه العشائري، ومنها ما هو غير علني كالعزف على الوتر الطائفي والقومي الذي يجري في لقاءات بعض المرشحين بالناخبين في المناطق.

يمكن لك أن تضحك وتستمتع وانت ترى اللافتات الدعائية، وأحيانا ضحكك يكون كالبكاء، فبعض المرشحين أطلق على نفسه (الشيخ الأستاذ) و(الشيخ المحامي) وغيرها، ولا أدري كيف جمع هؤلاء المرشحون بين هذين اللقبين، ولن أتحدث عن كلمة (استاذ) بوصفها لقبا علميا كما اعترض الدكتور هاشم حسن على استخدامها في منشور على صفحته بالفيس بوك، ولكني اتساءل كيف سيرتقى بنا من يؤمن بالعشيرة ويدين لها بالولاء، بينما نتطلع لدولة مدنية تتجاوز مثل هذه المفاهيم السابقة للدولة كنظام.

وفي وقت تعمل البلديات فيه على تحسين الجزرات الوسطية بزراعتها بالثيل والورد والأشجار، نرى فرق المرشحين تخرب ما أنجزته البلدية من أجل رفع لافتاتهم، ووصل الأمر بالبعض الى الصاق لافتاتهم على اعلانات حكومية رسمية، ومنها ما يحجب رؤية سائقي المركبات، لم نسمع بإجراء حكومي لإيقاف هذه التجاوزات، يقينا ان من يخرب عندما يكون مرشحا لا يمكن أن يبني عندما يكون قائدا.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق