لماذا يذهب الناخب الى صندوق الانتخابات؟ هل شعوره بالمسؤولية وضرورة اختيار النائب الذي يسهم في تحسين واقع البلاد؟ ام انتمائه الحزبي والطائفي والقومي والعشائري؟ ام ان هناك اهداف اخرى للتصويت مثل التجارة بالصوت الانتخابي؟

من هو الناخب الغريب، ولماذا نعقد الامل على هذا الناخب؟

الانتخابات ستجري كما هو معتاد، وتصنيفات التاخبين هي ذاتها، لكن هناك نوع نادر من الناخبين سيكبر ويتوسع ليسيطر على مساحة اكبر من حجمه الحالي، بشرط واحد هو استمرارنا في الانتخابات وعدم البحث عن وسائل مسك السلطة السريعة مثل الانقلابات العسكرية والحكم الديكتاتوري.

وللاجابة عن التساؤلات يجب توضيح انواع الناخبين، فالشعب العراقي طوائف وقوميات وتوجهات حزبية متباينة، لذلك سوف اوضح هذه الانواع وما تاثيرها على نتيجة الانتخابات المقبلة.

لا اعدك صديقي القاريء بقراءة جديدة للواقع العراقي، بل اعيد التذكير باهم معوقات التغيير في العراق لكي لا يتحول تكرار الخطأ وتجذره حالة اعتيادية، علينا مقاومة الخطأ مهما كان راسخا حتى لا نتحول الى لبنان جديدة او افغانستان طالبانية، ثم نشجع النوع النادر من الناخبين، حتى وان كانوا اقلية ضئيلة، لانهم الامل الكبير للعراق.

ناخب قومي

من الصعب رؤية الشعب الكردي ينتخب قائمة ائتلاف دولة القانون او الكتلة الصدرية او قائمة تقدم.

الناخب الكردي سوف يختار الكتل الكردية متمثلة بالاحزاب الكردية الرئيسية، والحال نفسه ينطبق على الناخب البصري او الناخب الانباري، من الصعب ان نراه ينتخب قائمة كردية.

فالمسألة هنا تتعلق بالقومية وهي علاقة معقدة بين خيار الناخب العنصري وبين تشكيلة الاحزاب العنصرية المنغلقة على ذاتها، وهو ما ولد التنوع الوهمي في البرلمان العراقي.

ونقصد التنوع الوهمي وجود مجموعة من النواب في البرلمان، تستشعر منهم التنوع، لكنه تنوع قائم على صراع القوميات لا توافقها وتقبلها لبعضها البعض.

ناخب طائفي

صراع الطوائف السياسي موجود ومتجذر في العراق، لهذا لا يمكن لكتلة سنية الفوز في محافظة النجف او كربلاء، كما لا يمكن لكتلة شيعية الفوز في الانبار.

لان الناخب في الجانبين ينتخب على اساس انتمائه الطائفي، والحالة الطائفية شبيهة بالحالة القومية تتحملها الاحزاب التي تشكلت على اساس طائفي والناخب الذي قبل بهذا الواقع وساعد عليه كثيرا عبر اسلوبه الطائفي في التعاطي مع الازمات التي ضربت البلاد سابقا وعززت من فكرة الطائفية وجعلتها اعلى شأنا من فكرة الوطنية.

حتى لحظة كتابة هذا المقال هناك ناخب يتحدث عن خدمات افضل يقدمها رئيس البرلمانه لابناء طائفته في الانبار، بينما يعجز نواب اخرون عن تقديم ذات الخدمات في محافظاتهم.

وهذه الاحاديث تعطي تصورا عن حجم التجذر الطائفي في تفكير الناخب العراقي الذي ما زال ينظر لمحمد الحلبوسي على انه السني الممثل لطائفته وليس الشعب، وينظر الى مصطفى الكاظمي على انه الشيعي الممثل لطائفته.

الطاعة المطلقة للزعيم

في خطاب عودة زعيم التيار الصدري للانتخابات بعد ستة اسابيع من اعلانه مقاطعتها، ركز السيد الصدر على مسألة الطاعة المطلقة لتوجيهاته.

وشدد الصدر على ضرورة ان تكون المشاركة مليونية لدعم كتلة الاصلاح ويقصد بها الكتلة الصدرية.

ولم يكتفي الصدر بدعوته لانصاره بالطاعة خلال المؤتمر الصحفي بل زاد عليها في تغريدة له قال فيها ان "طاعة اللجنة من طاعة القائد" ويقصد طاعة اللجنة الانتخابية التابعة للتيار الصدري.

هل هذه الحالة مقتصرة على التيار الصدري؟

نعم هذا النوع من الانتخاب القائم على طاعة القائد بعيدا عن اي برنامج انتخابي ياد يكون سمة بارزة للتيار الصدري، فالانتخابات هي معركة لتحقيق الفوز ضد الخصوم، السلطة هي الهدف لاثبات القوة والزعامة للطائفة الشيعية كما يريد التيار الصدري، وهنا تكون مسألة الطاعة مهمة لتحقيق الهدف لا سيما وان المعركة على رئاسة الوزراء شرسة وغير مضمونة النتائج لحد الان.

ناخب التبليط

هذا الناخب لا يختار المرشح الافضل، انما يختار التبليط الذي يوفره له المرشح الثري، فعندما نشاهد مرشحا يستطيع اقامة مشاريع كبيرة لتعبيد الطرق ومد خطوط مياه الشرب والمجاري فهذه ليست دعاية انتخابية، بل مساومة التبليط بالصوت الانتخابي.

انه شراء بالجملة لاصوات الناخبين، فلم يعد الامر مخفيا، مع بدء الموسم الانتخابي تكثر المشاريع العمرانية لانها دعاية الاثرياء.

وهؤلاء الاثرياء يضمنون الفوز الانتخابي قبل يوم الاقتراع، لانهم بالاضافة الى مشاريعهم العمرانية يشترون بعض شيوخ العشائر والوجهاء واساتذة الجامعات والاعلاميين.

اما المرشحون الفقراء فلا يملكون كل هذه الامكانيات، والناخب لا يشاهدهم سوى في اعلانات الطرق التي لا تغني ولا تسمن.

الناخب الغريب

هذا الناخب يبحث عن المصالح الوطنية المشتركة بين القوميات والطوائف، يبحث عن مرشح وطني، وينتخبه فعلا على اساس برنامجه الانتخابي.

هذا الناخب ومعه مرشحه الوطني موجود ولو بشكل قليل، هؤلاء هم الامل الذي سيحطم يوما كل انواع الانتخاب القائم على المصالح الضيقة.

لا نقول ان هذا الامل سيتحول الى واقع في الانتخابات المقبلة، لكنه بذرة علينا الاستمرار برعايتها والتاكيد على وجودها لانها سوف تخضر وتكبر وتتحول الى خيمة كبيرة.

الشرط الوحيد لاستمرار هذا الامل هو استمرارنا بعملية الانتخاب، والتوقف عن المطالبة بوسائل تحصيل السلطة السريعة مثل الانقلابات العسكرية او النظام الديكتاتوري.

نحن لا نعطي للديمقراطية اكبر من حجمها، لكننا مثل لاغريق الذي يتمسك بقشة، لا نملك أي وسيلة للتغيير، صحيح ان الانتخابات ليست الوسيلة الوحيدة لكنها بالفعل الوسيلة الأهم.

وانتخاباتنا تشوبها الكثير من المشكلات وبحاجة الى ترميم ولا يقوم بهذا الترميم الا الناخب الغريب، انه الناخب الذي يكسر الصندوق القومي والطائفي ويحلق وحيدا في فضاء الوطن.

اضف تعليق