أتمت الولايات المتحدة الأمريكية في ٢٠٢١/٨/٣١ انسحابها من أفغانستان تنفيذاً لإتفاق سابق أبرمته مع حركة طالبان التي تمكنت من السيطرة على معظم الأراضي الأفغانية خلال أيام قليلة بعد انهيار المنظومة الأمنية والعسكرية وهروب الرئيس أشرف غني من البلاد، في حدث حاول الكثير فهمه والوقوف على أبعاده ودلالاته، وعلى الرغم من كثرة التحليلات التي وردت بهذا الشأن إلا أن معظمها اتفقت على أمرين:

الأول: رغبة الرئيس بايدن بإنهاء حرب الاستنزاف التي تخوضها الولايات المتحدة في أفغانستان منذ العام ٢٠٠١ ولم تجنِ منها نتائج ملموسة، لا سيما بعد توصل الإدارة الأمريكية إلى اتفاق مع حركة طالبان يقضي بعدم السماح لأي نشاط إرهابي يستهدف الولايات المتحدة وحلفائها انطلاقاً من الأراضي الافغانية.

الثاني: محاولة خلق بؤرة توتر أمنية قريبة من روسيا والصين وايران، بالنظر لما تمثله هذه البلدان من تهديد استراتيجي للولايات المتحدة، لذا فإن فسح المجال لحركة طالبان المتشددة للسيطرة على البلاد وإعلانها الإمارة الإسلامية واستقطابها المتطرفين من كل أنحاء العالم سيشكّل ضغطاً على تلك البلدان وتهديداً مباشراً لأمنها القومي.

واستكمالاً لما تقدم نعتقد أن ثمة تفسير آخر يمكن أن يرد في هذا المجال، وقبل الخوض في تفاصيله لا بد من الوقوف على بعض المقدمات الضرورية:

١. إن القرارات الإستراتيجية للسياسة الخارجية الأمريكية لا تُتخذ بناءً على توجهات حكومات البلدان الأخرى، بل بناءً على توجهات الشعوب ومدى انسجامها مع الموقف الأمريكي، لأن الحكومات على اختلاف مستويات مقبوليتها الشعبية تبقى رهينة لإرادة الشعوب وملتزمة بتلبية تطلعاتها، واستناداً لذلك فان الإدارة الأمريكية إذا ما لمست موقفاً شعبيا رافضاً لها أو معادياً لتوجهاتها فقرارها الاستراتيجي يقتضي هنا التعاطي مع الواقع والعمل على تغييره بما ينسجم مع المصلحة الأمريكية من خلال استخدام أدوات القوة الناعمة لتغيير بوصلة العداء باتجاه المقبولية.

٢. على الرغم من سقوط حكم طالبان في العام ٢٠٠١ وتصنيفها كحركة إرهابية إلا أن نفوذها ومقبوليتها الشعبية في أفغانستان بقيت مستمرة، حيث أظهرت بعض التقارير الصادرة في العام ٢٠١٧ أن حوالي ١٥ مليون مواطن أفغاني (نصف عدد السكان تقريباً) يعيشون في مناطق إما تسيطر عليها طالبان، أو في مناطق كانت طالبان موجودة فيها بشكل علني، وهو ما يؤكد أن الإجراءات العسكرية المتخذة ضد حركة طالبان لم تغير مقبوليتها الشعبية بالمستوى الذي يتناسب مع المصالح الإستراتيجية الأمريكية.

٣. إن حركة طالبان ليست حزباً سياسيا بل حركة عقائدية تتبنى الفكر الإسلامي المتشدد وتعمل على إقامة إمارة إسلامية في أفغانستان ولم تتنازل عن فكرها ولا عن توجهها، بل لم تغير خارطة تحالفاتها إلا بمقدار ما ينسجم مع فكرها وعقيدتها، لذا يمكن القول أن تنظيم القاعدة وفروعه لا يزال قريباً من طالبان آيدلوجيّاً، ومن غير المستبعد أن ينتعش أو ينصهر في طالبان لمواجهة التحديات المشتركة.

٤. إنّ إقامة إمارة إسلامية في أفغانستان يمثل تهديداً وجودياً لداعش التي تتبنّى مشروع الخلافة الإسلامية منذ العام ٢٠١٤، وعليه فإن احتمالات بروز مواجهات مسلّحة بين طالبان وحلفائها من التنظيمات المتشددة مع داعش ستبقى حاضرة بقوة، ولعل التفجير الأخير الذي استهدف مطار كابل وتسبب بمقتل عدد من الجنود الأمريكيين وأتباع حركة طالبان، والذي تبنته داعش يمثل صورة أولية لمستقبل الصراع في أفغانستان، والمتابع لإعلام داعش يدرك هذا التوجه بوضوح من خلال كمية التركيز الإعلامي على مستقبل الصراع الفكري والميداني في أفغانستان.

بناء على ما تقدّم يمكن القول أن بقاء القوات الأمريكية في أفغانستان مع احتفاظ حركة طالبان بمقبوليتها الشعبية يعني استمرار حرب الاستنزاف للقوات الأمريكية دون تحقيق مصالح الولايات المتحدة، لذا فإن تسليم الحكم لحركة طالبان مع إلزامها بتعهدات تضمن عدم تعرضها بشكل مباشر أو غير مباشر للمصالح الأمريكية يمثل تكتيكاً مهماً يضمن للولايات المتحدة إعادة ترتيب خططها والتعامل مع الساحة الأفغانية بطريقة أخرى بعيداً عن حرب الاستنزاف غير المجدية.

وعليه فان الهدف الاستراتيجي للإدارة الأمريكية الآن هو تغيير قناعات المجتمع الأفغاني عن الإسلام المتشدد عموما وحركة طالبان على وجه الخصوص، ولعل الأداة المتاحة لتحقيق ذلك الهدف في الوقت الحاضر تكمن في فسح المجال أمام حركة طالبان لاستلام مقاليد الحكم، والانتقال من حالة المعارض المظلوم المغلوب على أمره إلى حالة المسؤول المعني بمعالجة مشاكل البلد الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها، وبذلك ستكون الحركة أمام اختبار حقيقي لإثبات أحقية تبنيها لمشروع الإمارة الإسلامية التي كانت ولا زالت تؤكد انه سيكون الخيار الأمثل لحكم أفغانستان.

والقراءات الأولية لهذا السيناريو تؤكّد أن السماح لطالبان بالتصدي لقيادة أفغانستان في المرحلة المقبلة مبني على افتراض أنها ستفشل في إقناع الشارع الأفغاني بأحقية مشروعها ونجاعته، فضلاً عن إمكانية أن تصبح الساحة الأفغانية مسرحاً لصراع الأيدلوجيات المتطرفة التي تغذيها مصالح الأطراف المتضررة من وصول طالبان لسدة الحكم، ويعزز ذلك ما أعلنته داعش مؤخّراً من رفضها لمشروع الإمارة الإسلامية الذي تتبناه طالبان واعتباره جزءاً من المخططات "الصليبية" للقضاء على المسلمين، وبهذا سيحقق الانسحاب الأمريكي من أفغانستان عدداً من المكاسب الإستراتيجية من خلال الآتي:

١. إضعاف المقبولية الشعبية لحركة طالبان في أفغانستان وإظهارها بمظهر العاجز عن تنفيذ مشروعها الذي كانت تدعو له منذ عشرات السنين.

٢. جعل أفغانستان ساحة للصراع بين مشروع الإمارة الإسلامية الذي تتبناه طالبان ومشروع الخلافة الإسلامية الذي تتبناه داعش.

٣. زيادة الضغط على أعداء الولايات المتحدة أو منافسيها لا سيما الصين وروسيا وإيران الذين سيتأثرون حتماً من هشاشة الأوضاع الأمنية في أفغانستان.

٤. تجنب الخسائر البشرية والمادية التي يمكن أن تترتب على استمرار وجود القوات الأمريكية في أفغانستان وهو ما سيتيح لها توظيف قوتها العسكرية في أماكن أخرى أكثر انسجاماً مع المصالح الأمريكية.

خلاصة القول.. إن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان هدفه وضع حركة طالبان أمام مسؤولية إدارة البلاد في المرحلة المقبلة، والتي يرجح أنها ستفشل فيها بسبب عوامل داخلية وخارجية، مما سيفقدها مقبوليتها الشعبية ويجعل المواطن الأفغاني يتطلع لمشروع آخر ينقذه من حالة الفوضى وسوء الأوضاع الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي ستعم البلاد، وعندئذ سيكون ذلك المشروع حاضراً لملء الفراغ!! لكن هل ستسير الأمور كما تشتهي الولايات المتحدة الأمريكية؟؟

أعتقد أنّ إجابة هذا السؤال تتوقف إلى حد كبير على مدى قدرة طالبان على احتواء المشاكل الداخلية وإعطاء رسائل اطمئنان للمحيط الإقليمي والمجتمع الدولي.

* كاتب مهتم بالشأن الأمني والسياسي

اضف تعليق