- المَوقف الدَّاعم المُوحَّد الذي صدرَ عن الكُتل السياسيَّة لمُخرَجات زيارة الوَفد برئاسةِ السيِّد رئيس مجلس الوُزراء إِلى واشنطن يُدلِّل، رُبما، على محاولتِها للخروجِ من عنُق الزُّجاجة فيما يخصُّ العِلاقة بينَ بغداد وواشنطن، ونحنُ مقبلُونَ على إِنتخاباتٍ نيابيَّةٍ في [١٠/١٠] القادم.

فبعدَ أَن وصلَ زُعماء الميليشيات إِلى طريقٍ مسدودٍ فيما يخصُّ مساعيهِم لفرضِ أَجنداتهِم الخاصَّة على الدَّولة ومُختلف مؤَسَّساتها بسلاحهِم خارج سُلطة الدَّولة، وبعدَ أَن تعاظمَ خطر الصِّدامات المُحتمَلة فيما بينهِم وبينَ هيئة الحشد الشَّعبي والتي شهِدنا بعضها في الآوِنة الأَخيرة، وبعدَ تعاظُم خطر الإِرهاب مرَّةً أُخرى والذي عادت خلاياهُ النَّائمة تنشط في أَكثر من منطقةٍ من البلادِ وعلى رأسها العاصِمة بغداد.

إِنَّ كلَّ ذلكَ حرَّض الكُتل السياسيَّة لتوحيدِ خطابِها السِّياسي إِزاء الزِّيارة ومُخرجاتِها لتهدِئةِ الأُمور، والتي وجدت فيها مُبرِّراً لتسويقِ هذا الخطابِ الجديدِ على الرُّغمِ من أَنَّهم جميعاً يعرفُونَ جيِّداً أَنَّهُ ليسَ في الأَمرِ أَيَّ جديدٍ، والذي تغيَّر هوَ العناوين فقط، أَمَّا الجَوهر والمُحتوى فلم يتغيَّر منهُ شيئاً!.

- التَّناقُض أَحياناً في مواقف الكُتل السياسيَّة المُنظوِية في [كُتلة الفتح] مردَّهُ إِلى صراعِ الولاءات، فبينما تسعى بعضها لوضعِ حدٍّ للولاءِ لـ [الغُرباء] تُراهن أُخرى على ضَرورة الإِستمرار في نفسِ المنهج كونها ترى في [الغُرباء] عاملاً مُباشراً لوجودِها وديمومتِها، ولذلكَ يرى هؤلاء أَنَّ سلاحهُم وولاءهُم يجب أَن يبقى على ما هوَ عليهِ لم يتغيَّر شيءٌ في الأَمرِ.

ولكونِ هذا النَّوع من الصِّراع مُرتبطٌ بالإِنتخاباتِ المُرتقبة، ولذلك أَعتقد أَنَّهُ سيخفُّ إِذا لم تُحقِّق الكُتلة فَوزاً يُعتدُّ بهِ، ثمَّ يبدأ بالخُفوتِ!.

- لا توجد دولةٌ في العالَم تبنيها الحكومة، وإِنَّما يبنيها الإِستثمارُ بنوعَيهِ؛ الوطني والأَجنبي.

أَمَّا الحكومة فتديرُ الإِستثمار بالقوانين التي يشرِّعها البرلمان واللَّوائح التي تضعَها الحكومة ووزاراتها.

وهناكَ عدَّة مُقوِّمات تُشجِّع الإِستثمار منها؛

- دولةٌ قويَّةٌ ناجحةٌ بمُختلفِ مُؤَسَّساتِها.

- إِقتصادٌ ثابتٌ ومُستقرٌّ وغَير رَيعي أَو تشغيلي.

- وضعٌ آمن يحمي رأسُ مالِ المُستثمِر.

- لقد ابتُليَ العراقيُّون بجيرانٍ يخشَونَ الديمقراطيَّة، كُلُّ بمُبرِّراتهِ، كما أَنَّهم ابتلُوا بزعاماتٍ مُتعدِّدةِ الولاءات للخارج، فضلاً عن فسادهِم الذي لا يُشَقُّ لهُ غُبارٌ في كل العالَم، فلصوصيَّتهم بِلا إِنصاف!.

- لقد ابتُلينا [كأُمَّةٍ] بأَربعةِ أَمراضٍ خطيرةٍ هي التي دمَّرتنا وجعلت مِنَّا [أُمَّة] مُتقهقِرة تضحك عليها بقيَّة الأُمَم؛

أ/ تغوُّل دَور السُّلطة وضمُور دَور الشُّعوب حدَّ الإِختفاء.

وهذهِ الظَّاهرة تبدو للعيانِ في ثلاثةِ مُستويات؛

١/ في تحديدِ الأَولويَّات.

٢/ في صناعةِ الأَزماتِ وطبيعتِها واتِّجاهاتِها وحلِّها.

٣/ في التَّحالُفات والسِّياسات الإِستراتيجيَّة والخُطط بعيدة المدى كالخُطط الخمسيَّة والعُشريَّة.

ب/ غَياب النُّخب بكُلِّ أَشكالِها، بما فيها [النُّخَب الدينيَّةِ التي وضعت فتاواها في خدمةِ السُّلطان] وما هوَ موجودٌ منها سُلطوِيٌّ بمعنى أَنَّها نُخب في خدمةِ السُّلطة وليست في خدمةِ الأَهداف والمصالح الإِستراتيجيَّة العُليا للأُمَّة.

النُّخب الموجودة جزءٌ من المُشكلة فهي إِمَّا نُخبٌ طائفيَّة أَو عُنصريَّة أَو حزبيَّة أَو ما إِلى ذلكَ، فهي ليست نُخب حقيقيَّة.

ج/ إِعتقادنا بأَنَّ القِوى العُظمى كالولاياتِ المُتَّحدة الأَميركيَّة وأَمثالها عبارةً عن مُؤَسَّساتٍ حقوقيَّةٍ وجمعيَّاتٍ خيريَّةٍ، نُعلِّمها ما يجب عليها وما لا يجب عليها فعلهُ، وليست إِمبراطوريَّات كأَيَّة إِمبراطوريَّة مرَّت في تاريخ البشريَّة تبحث عن مصالحِها حتَّى لَو كانَ الطَّريقُ إِليها يمرُّ عِبرَ سحقِ الشُّعوب المُستضعفة الأَخرى والتَّجاوُزِ على حقوقِها.

وهي تبحثُ عن مصالحِها في إِطارِ مفهوم [السِّياسةُ فنُّ فرض الأَمر الواقع] وليسَ بمفهومِ الضُّعفاء [السِّياسةُ فنُّ المُمكن].

وللأَسف فإِنَّها تُحقِّق مصالحها وتحميها بدُولِ وأَنظمة المنطقة كأَدواتٍ، والضَّحية هي الشُّعوب المغلُوبِ على أَمرِها.

د/ نحنُ نتحدَّث [٢٤] ساعة عن أَجندات الآخرين ومشغُولونَ [٢٤] ساعة بشرحِها وتفسيرِها وتقريبِها لأَذهان النَّاس.

لكنَّنا لم نتحدَّث ولم ننشغِل أَبداً في تحديدِ أَجنداتِنا في هذا الصِّراع الدَّولي الذي شعارهُ [تُؤخذُ الدَّنيا غَلابا] وشرحها وبلورتها وتعريفها للنَّاس.

إِنَّنا مسكُونونَ بنظريَّة المُؤامرة ومُجرَّدون عن المسؤُولية!.

والأَدهى من ذلكَ، أَنَّنا مشغولُونَ بالحديثِ عما يجب أَن يفعلهُ وما لا يجب أَن يفعلهُ الآخرون، أَمَّا ما الذي يجب أَن نفعلهُ نحنُ وما الذي يجب أَن لا نفعلهُ نحنُ، فلا نخوضُ فيهِ.

مشغولُونَ بتناوُلِ أَجندات الآخرين ولم ننشغل بأَجنداتِنا قيدَ أَنمُلة والسَّبب واضحٌ لأَنَّنا لا نمتلكُ أَجندات لننشغلَ بشرحِها وبالتَّالي فهي [سالبةٌ بانتفاءِ المَوضوع] كما يقولُ المَناطقة!.

- يلزم طهران أَن تستوعبَ فكرة أَنَّ عِراقاً قويّاً ومُقتدِراً وصاحب سيادة وهَيبة أَفضل لها من عِراقٍ ضعيفٍ يترنَّح كالرِّيشةِ في مهبِّ الأَزمات.

ولا يتحقَّق ذلكَ إِلَّا إِذا حصرت علاقاتِها بالدَّولةِ فقط وقطعت كلَّ روابطِها التسليحيَّة والماليَّة والإِعلاميَّة بالميليشيات التي تحتفظ بسلاحِها خارج سُلطة الدَّولة، تُهدِّدها وتعبث بأَمنِها وتُعرقل كلَّ أَنواع الإِستثمار وتُخبِّث على سياسات الدَّولة على صعيدِ العلاقاتِ الخارجيَّة.

يلزم طهران أَن لا تتعمَّد إِذلال [شيعة السُّلطة] إِلى هذهِ الدَّرجة، كما لاحظنا ذلكَ في آخرِ زيارةٍ لهُ إِلى بغداد عندما تعمَّد وزير خارجيَّتها الإِجتماع بهِم كسلَّةٍ واحدةٍ وكأَنَّهم [قطيعٌ من العجُول] فيما اجتمعَ مع [زُعماء السنَّة] و [الكُرد] كرُعاةٍ!.

واليَوم تابعَ العراقيُّون ما الذي فعلتهُ طهران خلالَ استقبالِها للوَفدَين العِراقيَّينِ!.

- أَمَّا [شيعة السُّلطة] فتكفيكُم هذهِ الذَّيليَّة حدِّ الإِستهتار والقَبول بالذُّل والخضُوع والخنُوع، فأَنتُم [أُم الولد] و [الأَخ الأَكبر] في النِّظام السِّياسي الحالي، فإِذا كانَ [الأَخُ الأَكبر] ذيلاً فماذا سيكونُ إِخوتهُ الصِّغار؟! وإِذا كانت [أُم الولد] ذليلةً لهذهِ الدَّرجةِ وضعيفةً ومُستضعفةً فماذا سيكونُ حالُ أَولادِها؟!.

لستم في المُعارضةِ، بدِّلُوا عقليَّتكم، فأِنَّكم اليَوم تتحمَّلونَ مسؤُوليَّة دَولة! وتصنعُونَ تاريخاً! فاحذرُوا أَن تكونَ صفحةً سوداءَ في سجلِّ التَّاريخ!.

كفى ضعفاً وهواناً واختلافاً ونزاعاً وتمزُّقاً وذيليَّةً وذُلّاً!.

إِبحثُوا عن مصالحِ بلدِكم لتحمُوها من عبثِ [الغُرباء] ولا تنشغلُوا بحمايةِ مصالحِ الآخرين!.

كونُوا وطنيِّينَ ولا تبيعُوا ولاءكُم لـ [الغُرباء]!.

- الحربُ الشَّاملة في المنطقةِ خطُّ أَحمر يلتزم بهِ كلَّ المُجتمع الدَّولي ودُول المنطقةِ، ولذلكَ أَستبعدُها كُليّاً.

ستبقى، رُبما، في إِطارِها الحالي؛ حربُ ناقلاتٍ [صامِتة] وحربٌ إِستخباراتيَّة وإِليكترونيَّة إِلى إِشعارٍ آخر!.

إِنَّ أَكثر المُلتزمين بهذا الخطِّ هي كُل دُول المنطقة بلا استثناءٍ، لأَنَّ مياهها تُعَدُّ الشِّريان الوحيد لاقتصادِها.

ستظلُّ الحرب [الإِعلامية] قائمة بينَ الفُرقاء بسببِ التَّخادم الذي يحققهُ التَّصعيد المُسَيطرُ عليهِ، خاصَّةً بين طهران وتل أَبيب، فكلاهُما يحلُّ بها أَزماتٍ داخليَّةٍ عويصةٍ من خلالِ إِلفاتِ نظر الرَّأي العام الدَّاخلي للخطرِ الخارجي المُحدق، وهوَ عادةً ما وكما نعرف، خطرٌ مُسيطَرٌ عليهِ تخادُميٍّ!.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق