مطلع عام 2017 أقيم احتفال شعبي ووضع سعف النخيل على جانبي جسر العوينة ورُبط شريٌط أحمر تتوسطه وردة مصنوعة بعناية، ووضعت لوحة تعريفية على مدخله، كتب عليها "جسر قرية العوينة"، وأحتوت اللوحة على تعريف باسم الجهة المنشئة للجسر "مديرية طرق وجسور الديوانية".

وأنفردت جملة كبيرة على اللوحة التعريفية تؤكد أهمية المشروع، وأنه نُفذ برعاية محافظ الديوانية، وهي طريقة معروفة عند تسويق بها المشاريع الحكومية المنجزة.

قام المحافظ مع عدد من شيوخ العشائر والوجهاء بافتتاح الجسر وسط تصفيق وهلاهل الأهالي وتشغيل الأغاني الشعبية.

المفارقة أن الجسر الذي تم افتتاحه طوله 20 مترًا وعرضه مترين فقط، وهو مخصص للمشاة، قد يكون مضحكًا أن جسرًا بهذا الحجم الصغير يستحق كل هذه الأمور الاحتفالية، لكنه بالنسبة للأهالي فتح عظيم، وبالنسبة للمحافظ وباقي المسؤولين فضل كبير منهم أن أنجزوا المشروع الذي سينقذ أرواح الأطفال في هذه المنطقة.

نعم هو مشروع صغير ولا يستحق ذكره في نشرة الأخبار وفق المعايير المهنية، لكنه يتصدر العناوين، أو على الأقل يأخذ مكانًا بين النشاط الإعلامي للمسؤولين، رغم صغره؟

فعندما تشح المشاريع ويسود الفشل، وتتخلى الدولة عن أداء دورها، بشكل واضح، يعيش المواطن حالة من اليأس عن اتيانها بأي شيء مفيد، وما أن يأتي ذلك المفيد حتى وأن كان صغيرًا جدًا سيكون إنجازًا عظيمًا يحسب للمسؤول، والمواطن يردد عبارة "أحسن من غيره" والمقصود إن المسؤول الذي أنجزه أفضل من غيره الذي لم ينجز حتى جسرًا صغيرًا بطول عشرين مترًا فقط.

هذا هو "الفشل الثمين" فالفشل في أداء المهمة الموكلة إلى أي سياسي تعني إزاحته عن المشهد السياسي لفترة معينة ريثما يصحح مساره بخطة جديدة يقنع بها الرأي العام وربما يدفعه الفشل إلى القاع دون أن يبقي له أي سلم للصعود، لكن هذا لا يحدث دائمًا فالفشل في بعض الأحيان ثمين جدًا، وأكثر أهمية من النجاح السياسي.

والحديث عن "الفشل الثمين" ليس طرقًا لأبواب المؤامرة، إنما هو نبتة لا تزدهر إلا وفق شروط معينة بعيدة عن المؤامرة، فإذا كانت البيئة صالحة للفشل الثمين تجده _الفشل_هو السمة العامة للنجاح.

كيف يحدث هذا؟

يقدم "الفشل الثمين" وصفة مفيدة لتقليل سقف توقعات المواطنين، الشعب الذي يتعود على عدم وجود خدمات أساسية مثل تعبيد الشوارع ومد أنابيب المجاري الثقيلة، سوف يعمل احتفالية كبيرة إذا عمل المسؤول على ردم حفرة كبيرة من مجموع الحفر المنتشرة على طول وعرض الطرق الممتدة في المدينة حتى وإنه لم يتمها على أكمل وجه.

تفشل الحكومات المتعاقبة بإصلاح النظام الإداري، فلا يجد المواطن أي وسيلة لتمشية معاملاته الرسمية سوى بالواسطة أو الرشوة، فيعتبر ما أنجزه يستحق الاحتفال وإعلان النصر على الروتين الحكومي المثير للاشمئزاز، لكنه في النهاية إنجاز يستحق الذكر دائمًا فيمتدح من توسط له ومن أخذ الرشوة ومن أكمل المعاملة.

فبعد سنوات من الفشل المتراكم يعيش الناس في حالة شبه يأس من إصلاح بعض الأمور الأساسية، لقد انهارت طموحاتهم إلى أدنى مستوى، وأي عمل يُصْلِح ولو جزءًا بسيطًا من هذا الفشل سيحسب منجزًا عظيمًا.

ربما كان مثال الجسر معروفًا ومثال تعبيد الطريق مكررًا، خذ مثال آخر حدث مع حكومة السيد مصطفى الكاظمي، فبعد فشلها في توفير أبسط مقومات استمرار الاقتصاد الوطني، بات الحفاظ على انسيابية توزيع رواتب الموظفين من المنجزات التي تتفاخر بها حكومته وتعلنها بتكرار ممل كمنجز يضاف إلى منجزاتها الكبيرة الأخرى التي تكللت بتخفيض سعر صرف الدينار مقابل الدولار ما أضاف عبئًا ثقيلا على الطبقات الفقيرة.

الفشل الثمين هو أن يتعود الناس على الفشل الدائم ويتلقى المسؤول الشتائم في كل مرة حتى يعيشون في حالة يأس من قدرته على فعل شيء مفيد لصالحهم، شريطة أن لا تكون بايديهم أي وسيلة للتغيير، ثم يأتي المسؤول ويعمل أي مشروع صغير سيعتبر إنجازًا عظيمًا لانه خالف توقعاتهم اليائسة وأكد لهم أن القائم على المشؤوع ليس ذلك الإنسان المعرض للشتائم يوميًا على منابر مواقع التواصل الاجتماعي، فتجد من يتاثر بهذه التحركات ويصدق القائمين على الفشل الثمين بانه ساسة من الطراز الرفيع استطاعوا انشتال الناس من اليأس إلى واحة الأمل، وأن خطوات الإصلاح ستاتي تباعًا.

لكن للأسف، فـ"الفشل الثمين" يعطي موارده خلال فترة الانتخابات وينضب بعد إعلان النتائج مباشرة، لتبدأ رحلة جديدة من تراكمات الفشل واليأس وانخفاض مستوى التوقعات تختزن خلال أربع سنوات، بعدها تفتح منجزاتها قبل الانتخابات ببضعة اشهر، وهكذا تدور عجلة البلاد.

اضف تعليق