الارهابي الذي يستعد لتفجير نفسه مع الآخرين إنما يخضع لجملة عوامل منها تكوينية واخرى تربوية وثالثة تعبوية وغيرها الكثير، فالعامل الأول هو كونه معقَّدا نفسيا بسبب (موروثاته التكوينية) على التجبر والقسوة والعنف السلوكي.

أما العامل الثاني فهو (الموروثات الاجتماعية) وأعني ما يرثه من مجتمعٍ يشكّل الحاضنة له ولأمثاله إذا كان مجتمعا من حيث العقيدة جافا، ومن حيث المناخ قاسيا، أما الطباع فشديدا. وبدل من أن يستوعبه المجتمع ليهذب عنفه الوراثي فانه يعمل على تنمية تلك الموروثات التكوينية ليصبح جبارا شقيا، قطّاعا للطرق، متمردا على التآلف الإنساني. وهنا تتركز الجريمة والبغض عنده تكوينا واجتماعيا إلى أن يأتي دور عنف الموروثات الدينية وهو العامل الثالث من عوامل تكوين شخصية المفسدين المتمردين على الاجتماع الإنساني.

فالعامل الثالث: عنف الموروثات الدينية (التوجيه الديني العنيف)

الموروث الديني على العنف هو الشحن الديني لتركيز التعصب ضد الآخر، فيصنع توجيها دينيا سقيما يغرس في المجتمع ظاهرة (التشدد الطائفي) الذي يُغيِّر بوصلة المجتمع نحو تبرير البغض والإقصاء والانتقام من المذهب الآخر بتكفيره وجعل محاربته دينا يُتعبد به.

فإذا تفاعل التوجيه الديني العنيف مع نفوس عنيفة تكوينيا احتضنتها بيئة اجتماعية متطرفة، ينتج جيلا تكفيريا انتقاميا يتقرب (بزعمه الديني) إلى الله بسفك الدماء، ولذلك ترى تنظيم القاعدة ومشتقاتها يرفع شعار (جئناكم بالدم والهدم، جئناكم بالذبح).

أما إذا كان الموروث الديني حضاريا فانه يغرز في الإنسان قيم الإنسانية الرفيعة والأخلاق الربانية العالية والتسامح والمحبة والتعقل.

ولما جاءت النزعة الوراثية العنيفة الخالية من التعقل والتعلم الديني المتحضر ودخلت في فتح مكة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاحت (اليوم يوم الملحمة اليوم تُهتك الحرمة) فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك قال لعلي أمير المؤمنين عليه السلام خذ الراية منه وقل (اليوم يوم المرحمة اليوم تُصان الحرمة).

فهناك بون شايع بين النزعة الدينية الحضارية التي تهذب النزوع إلى العنف والانتقام، وبين النزعة الجاهلية الدموية الانتقامية التي تتناغم من النزعة الوراثية العنيفة.

ذلك أن الاسلام رسالة العلم والمعرفة والتعليم على الفكر السليم والارتقاء بالإنسان إلى مراتب الخلق الرفيع لأن الخالق (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُْمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ) لمهمة حضارية عظمى هي أن (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ).

العامل الرابع: عنف التوجيه الديني للجريمة

التوجيه الديني هو توجيه الناس إلى معالم دين الانسانية والتحضر.

بينما التوجيه الديني على الجريمة هو تطويع الدين لنزعة العنف والانتقام والمهيمنة على الإنسان فيصيغ منها دينا يرسم للناس معالم فقه الدين وفهمه. وهنا تكون الطامة الكبرى حينما يتحول العنف والتطرف والانتقام وسفك الدم وسياسة الهدم وإشباع الغرائز دينا مقدسا يجب أن تتعلمه الاجيال جيلا بعد جيل.

وما هذا العنف الذي نراه عند (المتأسلمين المتسيسين) إلاّ وجه لدين استند إلى قواعد اعتبروها مناهج علمية مشتقة من مواقف تأريخية اصطبغت بصبغة القداسة التي لا يطالها نقد ولا يقربها تحليل.

والأمثلة على ذ لك كثيرة منها تسويغ سفك الدماء المحرمة وانتهاك الأعراض وهتك الحرمات تحت عنوان أن الفاعل إذا فعل جريمته وهو مخطئ فله اجر واحد، وإذا كان مصيبا فله اجران.

وذلك يوم قَدِم (الصحابي) خالد بن الوليد على قتل (الصحابي) مالك بن نويرة وطبخ قدور الطعام لعسكره وجعل أثافي القدور رؤوس (الصحابة) المسلمين ومنهم (الصحابي) مالك بن نويرة، ثم نزى على زوجة (الصحابي) المغدور ليلة مقتله، فاعترض على فعله (الصحابي) عمر بن الخطاب فطلب من (الصحابي) أبي بكر أن يقتاد منه (أي يقيم الحد عليه) لقتله المسلمين (والصحابة) ثم الزنا بزوجة (الصحابي) مالك.

فأبى ابو بكر قائلا إنه تأول فله على ما قد فعل أجر، ولما أن ألح عليه عمر، قال أنا لا أقتص من سيف سله الله على الكفار؟

وتذهب القضية لتتحول في وفقه جمهور المسلمين أن يكون الصحابة كلهم عدولا، وافعالهم صحيحة رغم انهم غير معصومين، مع الاحتفاظ بجلالة قدر الكثير منهم، أما أن نجعل المتناقضين المتقاتلين الظالمين والمظلومين السافكين لدماء بعضهم البعض والمكفر بعضهم بعضا لتكون أفعالهم معيارا للشريعة وأصلا في الدين فذلك مما لم يأمر به الله بل نهى عنه فسمى من الصحابة فاسقين ومنافقين وظالمين ومفسدين، ومنهم من رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولكن ليس كلهم أجمعين.

وبهذا وأمثاله صارت افعالهم حجة تؤسس المنهاج الفقهي والفكري لجمهور المسلمين، ولذلك مشت قاعدة التأول حتى يوم الناس هذا لتسقط الحقوق، وتبطل الحدود، وتلغي احكام القود، وتبرر جريمة الحكام، لأن الحاكم أو نائبه ووكيله إذا ما تأول ومال إلى ظنه وأفسد فله اجر، وان اصاب فيحصل على اجرين.

وبالتالي فقد وضعوا هذه القاعدة وامثالها لتؤسس المعيار الديني الذي يجب أن تقيس الاجيال عليه مسارها لاعتمادها على تصحيح أفعال الصحابة أجمعين سواء الزاني والمزني بزوجته، والقاتل والمقتول فكلهم يجب الترضي عليهم وعدم محاكمتهم ولا محاسبتهم ولا حتى ادانتهم أو المساس بقدسية جناياتهم بل أوجبوا متابعتهم وجعل سيرتهم حجة يقتفى أثرها.

ولذلك كانت أفعال تنظيم القاعدة ومشتقاتها من داعش والنصرة وأنصار الصحابة وغيرها، من القتل والحرق وجواز الزنا ولو بالمحارم واللواط وتقديم الامهات والأخوات لجهاد النكاح، كل ذلك لأن المجاهدين (بزعمهم؟؟) يحتاجون النساء وهم في سوح الجهاد(!!) فيلزم تعويض ذلك بشتى الطرق المتاحة حتى ولو بالزواج من الحمير كما صوّرته الاقمار الصناعية.

وقد كان ذلك تحت غطاء من الدين سميك، وما اكثر المسوغات الشرعية التي اصطنعوها لأنفسهم، حتى صار الرجل يقدم زوجته وأخته واُمه وزوجة أخيه هدية لجهاد النكاح باسم الدين مقابل أن يلوط هو بأميره الداعشي.

ولهذه المعايير وأمثالها صار التوجيه الديني للتكفير والقتل والنهب والأسر والاستعباد والإفساد وبيع الإماء وهدم دور العبادة من الأمور الدينية الفاسدة من الجذور والأصول.

والسبب هو اجتماع (العنف الوراثي) مع (الموروث الاجتماعي) العنيف بتوجيه (الموروث الديني العنيف) أنتج جيلا من الارهابيين المفسدين.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1