"عدلُ ساعةٍ خيرٌ من عبادة سبعين سنة قيامُ ليلها وصيام نهارها".

رسول الله، صلى الله عليه وآله

بنفس القدر الذي يستهوي النفوس ويفضله طلاب السلطة رداءً شرعياً لوجودهم في قمة السلطة، فهو ينفر من التناقضات التي يعجّ بها الواقع السياسي والاجتماعي كونه قيمة مقدسة من قيم الحق، يبحث عن الوعاء السياسي النظيف، والمجتمع المؤمن، الامر الذي دفع بالبعض لأن يجعل العدل، نجمة لامعة في سماء القيم ليس للانسان نصيب بها سوى التطلّع من بعيد والاستمتاع بجمال بريقها الأخّاذ!

وما دام الأمر يتعلق بالحكم والمصالح السياسية والامتيازات، فان ايجاد مصاديق عملية للعدل في العلاقة بين الحاكم والمحكوم يكون بمنزلة الحديث عن مثاليات افلاطون بإيجاد نظام يحكم يقوده الفلاسفة والحكماء لتحقيق "المدينة الفاضلة"، ولكن!

منذ بزوغ فجر الاسلام والبشارة قائمة بإمكانية تطبيق هذه القيمة السامية في الحكم، كما يمكن ايجاد المصاديق العملية للعدالة على صعيد المجتمع "العدالة الاجتماعية" بتوفر القدرات الاستيعابية لتطبيق هذه القيمة في مختلف اشكال التعامل بين الافراد والجماعات، وفي نفس الوقت تضييق مساحات الظلم ومكافحة الفيروسات المسببة لنشوء وانتشار هذا المرض الاجتماعي والسياسي فيما بعد.

هل العدالة مستحيلة في الحكم؟

ليس كما يتصورها البعض اذا تصفحوا القرآن الكريم وراجعوا الآيات الكريمة التي ورد فيها الأمر الإلهي بالعدل في الحكم: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}، والرؤية التدبرية الثاقبة لسماحة آية الله السيد مرتضى الشيرازي في مؤلفه "ملامح العلاقة بين الدولة والشعب" تكشف عن هذه الامكانية عندما يكون العدل "بين الناس وليس على الناس"، والفرق في اللغة والمفهوم واضح جداً، "فالحكومة على الناس هي مرتبة أعلى، فهي تقتضي أن تكون هنالك فوقية، أو ولاية مجعولة لهذا الشخص، إما من قبل الله –تعالى- أو من قبل الأمة، او أية جهة اخرى ذات صلاحية، حقيقية او مزعومة، بينما الحكم بين الناس يكون في مرتبة أدنى"، وهنا يبدو الخطاب القرآني موجه الى افراد المجتمع، وأن عليهم تطبيق العدل في التعاملات فيما بينهم، وهو ما تنبه اليه سماحة السيد الشيرازي وكان تدبره في "وجه الحكمة من استخدام مفردة "بين" دون "على"، أن الامر بالعدل عندما تعلق بالحاكم بين الناس، فانه وبشكل أولى يتعلق بالحاكم على الناس، أي إذا كان المطلوب من "الحاكم بين الناس" أن يعدل، وهو الذي لايمتلك تفويضاً قوياً، ولا مرتبة غليظة من الاعتبار، فان المطلوب من "الحاكم على الناس" –وهو الأقرب لأن يطغى ويظلم وهو ذو الصلاحيات الأكثر- بشكل أولى أن يعدل".

ويتأكد هذا اذا عرفنا أن المنظومة الاحكامية في الاسلام تخلو من أي فرض خارج طاقة الانسان بدليل الآية الكريمة: {لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا}، فعندما يأتي الأمر الإلهي بإقامة العدل في الحكم، على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، فانه مصحوب بالامكانية والقدرة البشرية، إنما يحتاج الأمر مؤهلات ذاتية، وإرادة وعزيمة وحزمة من العوامل النفسية المساعدة لتجعل من العدل، ليس فقط عنصراً ايجابياً في التنظير على الورق، بل وجزء من حياة الناس بما يساعدهم على النهوض والنمو والتقدم.

وأهم خطوة في هذا الطريق؛ نبذ الظلم من الحاكم والمحكوم في وقت واحد، وهذا ما يشير اليه سماحة الامام الراحل السيد محمد الشيرازي –والد المؤلف- في كتابه القيّم، "الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والسلام والرفاه" عندما يعد العدل من منطلقات التقدم في الحضارة الاسلامية، وهو العدل الذي يسير في حياة المجتمع مسرى الدم في عروق ابنائه، ويستشهد –طاب ثراه- بالحديث القدسي المروي عن الامام الصادق، عليه السلام: "و عزّتي وجلالي لا أجيب دعوة مظلوم دعاني في مظلمته ظلماً ولأحد عنده مثل تلك المظلمة"، وفي رواية أخرى عنه ، عليه السلام، وهي ذات دلالة: "من ارتكب أحداص بظلم بعث الله من ظلمه مثله أو على ولده او على عقبه من بعده"، ويعلّق سماحة الامام الراحل: "أقول: الظَلَمة نواة تعطي الظلم فيقتطف الثمر أما في نفسه او عقبه".

كما يربط سماحته بين محاذير طلب الرئاسة وعدم الاطمئنان من تحقيق العدل مستشهداً بالرواية عن أمير المؤمنين، عليه السلام، عندما جرى خلفه أحد اصحابه وهو؛ جويرية بن مسهّر، فسأله عن سبب تتبعه خطاه، فقال: نسايرك يا أمير المؤمنين، فقال: "يا جويرية أنه لم يهلك هؤلاء الحمقى إلا بخفق النعال خلفهم". ويقصد بهم طلاب السلطة والوجاهة ممن نجدهم اليوم أشد الحرص على تسيير موكب من الحمايات والمرافقين والمصورين خلفهم في الشارع امام مرأى الناس.

العدل بين وعي الشعب وصمام أمان الحكم

ثمة مقولة على الألسن في بعض بلادنا، ومنها؛ العراق: "ليسرق الحاكم لا يهم، إنما المهم أن يعدل، ولو قليلاً"!

هذا الاستسهال في حالة الظلم المتفشية في كيان المجتمع، هو الذي مهّد الطريق لاختراق الفساد مختلف مجالات الحياة، فالناس لا يكافحون فيروس الظلم، وإنما يرجون الخير والايجابية من الظالم!

لهذه الظاهرة النفسية الغريبة اسباب لسنا بوارد الخوض فيها، وربما يكون الزملاء من أخصائي علم النفس، أولى وأجدر بالبحث في هذا المجال، بيد أن أحد الاسباب التي يشير اليها سماحة السيد مرتضى الشيرازي في كتابه المشار اليه، "أن الناس يعلمون أن للدولة تأثير وهيبة، ولها مكانة ولها سطوة، لكنهم لا يعلمون عمق تغلغل الدولة في كافة شؤونهم ومناحي حياتهم".

وفي سياق البحث في دلالات ومعاني الآية الكريمة المتعلقة بالعدل في الحكم، يحكم سماحته الربط بين فقدان العدل وفيروسات الظلم غير المحسوسة لعامة الناس الى درجة أن باتوا يعدون الحاكم المستبد والظالم والطاغية الأقدر على فرض القانون والنظام والاستقرار! لذا يذكر سماحته بخطورة تحوّل الدولة من الخادم الى السيّد بسبب وجودهم في كل صغيرة وكبيرة من حياة المواطنين، ويشير الى أمثلة واضحة من الدول التي شهدت التغييرات السياسية الكبرى بما بات يُسمى "الربيع العربي"، عندما انفجر الغضب الجماهيري من تراكمات الظلم والاستبداد والاستئثار بالثروات ومصائر الناس، لذا "فمن الضروري أن يدرك الانسان وأن يعرف ويعي ما هي الدولة وما هي صلاحياتها، وقدراتها، ووسائل تأثيرها"، و يورد سماحته جملة من الحقوق تدعيها الانظمة السياسية او الحكام لانفسهم وهي: حق التصرف، وحق التملّك، وحق التقنين، وحق الإلزام، وحق الجزاء والعقوبة، وفي سياق البحث يشرح سماحته هذه الحقوق ويبين كيفية مصادرة حقوق الناس ومصائرهم.

هذا الوعي وهذه المعرفة من شأنها توفير الضمانة للاستقرار السياسي "فاذا عرفنا ما هو منطق الحق، وعرفنا ما هو منطق الحكام، سنطالب عندئذ مطالبة أكيدة حثيثة بحقوقنا، وبطريقة سلمية، باحتجاجات وتظاهرات سلمية، وبإضرابات سلمية، وبعصيان مدني سلمي، فاذا وعتها الشعوب، لن يطغى عليهم أحد، ولن تصادر حقوقهم، وإلا أزاحوه فوراً وأحالوه للمحاكمة دون إبطاء".

فقبل أن يكون العدل حلو المذاق، بارد في القلب، يعطي كل ذي حقٍ حقه، فانه يمثل استحقاق ثقافي ومعرفي في الوسط الاجتماعي، يتحول فيما بعد الى أرضية صالحة تضمن نسب معينة من العدل في الحكم يفرّج الهموم ويفكّ عقد الازمات.

اضف تعليق