ربما أكون أكثر أبناء الشعب العراقي تأكدا من قضية عدول السيد مقتدى الصدر عن قراره المتعلق بالانسحاب من دعمه لأي قائمة انتخابية او مرشح، بهدف الحفاظ على ما تبقى من العراق نتيجة الفساد على حد تعبيره، وكأنه يريد ان ينسحب عن منظومة العمل السياسي بصورة نهائية.

عودنا السيد الصدر على المواقف غير المتوقعة في الأوقات الصعبة التي يمر بها العراق، ففي الوقت الذي يتأمل الجميع ان تسير الخطوات متسارعة لتحقيق المطلب المليوني واجراء الانتخابات، خرج لنا زعيم التيار الصدري بهذا القرار الذي يصفه المحللون بغير المفهوم وغير المناسب في التوقيت.

فالصدر يلوح منذ شهور بأحقيته بترأس الحكومة المقبلة، معوّلا على ما لديه من رصيد برلماني يفوق الخمسين مقعدا، ويأمل زيادتهم بالانتخابات المقبلة، ليدخل بأريحية الى قبة البرلمان القادم، ماسكا بيده اهم أوراق اللعبة السياسية، بعد ان أصبح اللاعب الأقوى من الكتل الشيعية التي تشرذمت منذ سنوات وفرقت جمعها الخلافات حول الامتيازات المغرية، فتناثرت وذهبت قوتها وتأثيرها.

ومن اجل ذلك بدأت رحلة الصدر للبحث عن شريك مفيد يساعده على الوصول الى حلمه الذي طال انتظاره، وقد عثر عليه في دهاليز العمل السياسي، وصار الشريكان يغردان بنفس القضية، فما يرفضه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، يطابقه الرأي السيد مقتدى الصدر عبر تغريداته التي تعبر عن رؤيته تجاه قضية او موضوع سواء على المستوى المحلي او الإقليمي، ولاحظ الجميع التقارب الذي حصل بين الاثنين في الآونة الأخيرة.

وفي العادة عندما تصل الكتل السياسية لهذه المرحل الزمنية وقرب الانتخابات، تكون هذه النتائج، فهي بذلك انهت المرحلة الأولى من مراحل التفاهمات السياسية، والاتفاقات الائتلافية، وعلى ضوء هذا يكون التنسيق فيما بين الكتل على الصغيرة والكبيرة بما في ذلك لغة الخطاب والتصريحات التي تخدم عبورهم المرحلة الانتقالية، ومن ثم الدخول الى مرحلة أكثر أهمية من المرحلة الأولى، كون المراحل اللاحقة هي من تحدد من يمسك بزمام الحكم ومن لديه حصة الأسد من المكاسب.

ويرى الكثير من المحللين قد يكون شعور عدم الحصول على هذه المكاسب هو السبب الحقيقي وراء اتخاذ السيد الصدر هذا القرار الذي غيّر جميع الموازين، وأحبط كل الآمال التي يحملها مرشحي كتلة سائرون ومن قرر التحالف معهم في المرحلة القادمة، فلا يكمن لمن لديه نظرة شاملة بالعملية السياسية العراقية ان يتخذ هذا القرار في الوقت الذي يطالب برئاسة الحكومة على انها حق من حقوقه المتعددة.

ربما أدرك السيد الصدر مبكرا ان التحدث برئاسة الحكومة أصبح من ضروب الخيال، بوجود اللاعبين الأساسيين في العراق وهما أمريكا وإيران، فالأخيرة تنظر اليه على انه الشخص العنيد الذي صعب عليها ترويضه وضمه الى محور المقاومة التي تدعمها بشكل صريح وامام انظار الجميع.

وهو يعلم حراجة موقفه امام الولايات المتحدة الامريكية، فهي لا تريد ان تتحكم شخصية مثل الصدر برئاسة الحكومة والقرار السياسي، وهذا التحكم سيجعلها في مأزق جديد، وربما تعود أيام المقاومة التي قام بها اتباع التيار في محافظة النجف وكربلاء وبغداد ضد القوات الأجنبية بعد دخولهم العراق عام 2003.

السيد الصدر وكتلته يمران بنفس ما مر به زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي في انتخابات 2014، حيث فاز انتخابيا وخسر سياسيا، فجميع الكتل لا تريد الاقتراب منه، ولديها النية الحازمة على عدم توليه (من خلال كتلة سائرون)، رئاسة الحكومة بشكل مطلق، وقد يكون هذا السبب الأهم في قرار الانسحاب من الانتخابات المقبلة، او معرفته المسبقة بأنه سيواجه بنفس السيناريوهات القديمة وتكرار نفس الأخطاء من الشركاء.

فهو لم يرغب بأن يكون الجواد الذي يوصل الكاظمي الى سدة الحكم، لذلك قرر الانسحاب قبل التورط وابتلاعه من قبل الصديق الجديد الذي لا يثق به كثيرا، وقد يكون لفكرة ترك الخوض في الانتخابات المقبلة ابعاد او اهداف أخرى، يمكن ملاحظتها من بين السطور، فالسيد الصدر من الشخصيات التي تريد لفت الأنظار اليها او الشعور بوجودها وتأثيرها بالمشهد السياسي.

وهذه الخطوة هي لقياس مكانته وثقله في العملية الانتخابية، لاسيما وهنالك من يقول ان امتناع التيار الصدري عن المشاركة في الانتخابات المزمع اجراءها في تشرين الأول المقبل، سيؤدي الى افشال العملية او تأجيلها على اقل تقدير، وان حدث هذا فعلا (وهو من المستحيل)، فأن نجم كتلة سائرون سيلمع أكثر وأكثر، وسيكون لهم الكلمة الأولى في الخطاب السياسي.

التيار الصدر ينفرد بميزة لا توجد بجميع الكتل الأخرى، هذه الصفة تجعل منه صديق غير مرغوب فيه، لكن لا يمكن الاستغناء عنه، ففي الوقت الذي لا تريد النخب السياسية التقرب منه والتشاور معه، تتهافت عليه رؤساء الكتل لبقائه داخل العملية السياسية، لان وجوده يعطي العملية الديمقراطية والانتخابية شرعية او زخم أكثر في البلد، وهذه المعادلة تجعل الكتل السياسية تعيش في دائرة معقدة وغير متوازنة.

ويبقى ليس من حق الصدر الحديث عن مسألة الفساد التي كثر الكلام بخصوصها، ذلك لان الصدر هو شريك أساسي فيها منذ تشكيل الحكومات السابقة ولغاية اليوم، وما يريده من هذه الخطوة، هو تبيض الوجه امام المجتمع والكتل السياسية المساهمة في الخراب العراقي، وهذا لن يعفيه من الوقوف امام محكمة الشعب لنيل الجزاء العادل في يوم ما.

كثيرة هي التوقعات ولا نعلم أيها سيرى النور، فقد يكون السيد مقتدى الصدر يعلم بعدم اجراء الانتخابات البرلمانية القادمة، وعلى هذا الأساس أراد ان يخبر الشعب بان لا يمكن ان تجرى الانتخابات في الموعد المقرر، وهذا السيناريو قريب من الواقع بنسبة كبيرة، او ربما يكون الهدف من وراء هذه الفعالية هو التمسك فيه أكثر من قبل الكتل السياسية، وتصبح العودة الى خوض الانتخابات عودة مشروطة وفق ما يراه مناسبا وحجمه وثقله السياسي والجماهيري.

اضف تعليق