من عجب أن المسؤولية الإنسانية ـ الدولية، و''العالمية'' على نحو ما حيث تشارك المجتمعات والهيئات والمؤسسات الدول والمسؤولين العمل لمواجهة خطر كورونا ومتحوراتها المحدقة يالعالم والقضاء عليها... فالعالم قلق من تهديد المتحور الجديد "لامبدا"، الذي قد يكون أشد شراسة من غيره من المتحورات بما فيها المتحور دلتا، حيث يمتلك قدرة على الالتصاق بالخلايا... العالم يعيش في حيرة وقلق وخوف وتوجُّس، سواء من قِبل العلماء والباحثين العلميين والاستشاريين في مجال الطب والصحة العامة، أو من قِبل الحكومات التي لا تريد أن تعود إلى المربَّع الأوَّل بعد كُلِّ الجهود التي بذلتها ـ ولا تزال ـ لتدارك الخسائر، وتكبيد اقتصاداتها فواتير مضاعفة وأكبر عمَّا تكبَّدته أثناء الموجتيْنِ الأولى والثانية، وما ترتب على ذلك من تداعيات صعبة وخطيرة وقاسية على أفراد المجتمعات.

ومن عجب أن المسؤولية الإنسانية ـ الدولية، و''العالمية'' لا تتجلى في مجالات حيوية، لا تقل الخطورة فيها عن خطورة فيروسات الأمراض الفتاكة سريعة الانتشار... وأبرز هذه الفيروسات وأطولها عمراً على الإطلاق، وأكثرها ضحايا وزلزلة لحياة البشر هي المتحورات السياسية! عندما ترى سياسة ما، أو يرى سياسي ما، أن لها/له الحق، بحكم مصالحه، وتنفيذاً أهدافه ورؤاه وتطلعاته، في أن يستبيح ما يشاء ومن يشاء من أجل تحقيق أهدافه ومصالحه، بعيداً عن كل معيار أخلاقي أو حقّاني، وعن الحسابات الإنسانية، وعن كل ما قد يهم الآخرين ويعني لهم الحياة والكرامة... فإننا أمام كارثة سياسية أكبر من كورونا ومتحوراتها، تتدحرج وتكبر وتؤسس لكوارث أكبر باستمرار، إذ يصبح النجاح بكل الوسائل والأدوات أخلاقياً وعادلاً ومعياراً للفعل، وحاكماً للمعايير وللآخرين!؟ وهذا مرفوض، وخطير، وينبغي أن يُرفَض.

والمشكلة في ''كورونا ومتحوراتها السياسية'' أنها كلما انتشرت أكثر توهم القائمون عليها وبعض المصابين بدائها أنها الأبقى والمنقذ والقدر المقدور، فيفتكون بالاستسلام لأمرها... وأنها من يرون أنهم ''أطباؤها'' لا يُعالَجونها بالحكمة والمسؤولية عن حياة بشرية وعن سياسة محلية وإقليمية ودولية عادلة يقيمها ويحيي بها العقل والعدل، وتقتلها وتقتل بها العنجهية والتوهم بأن الناس أقنانٌ مملوكون وليسوا بشراً أحراراً ذوي استحقاقات وحيوات وحقوق، وأن معظم المصابين بذاك الفيروسات أو كلهم يتوهمون أنهم الدواء وليس الداء... وهكذا يغرق العالم في أخطر وباء كلما قاربته بالعلاج الناجع نفر منك وارتد عليك، لأنه يراك الداء الذي يقاوم الدواء ويستعصي على الشفاء وينتشر منه وبسببه الوباء.

وهناك من ينشر هذه المتحورات أكثر من سواه ويتعهدها بالرعاية والحماية، ويكافح كل من يكافحها أو يتصدى لها. وهي متحورات تنتشر وتتلون وتتشكل بصور وألوان وأشكال يصعب حصرها كما يستعصي تثبيت توصيف شامل لها، فأحيانا تكمن في الأفكار وتنتشر عبرها، وأحياناً عبر النظريات والمعتقدات الشمولية، وأخرى من خلال المناهج البراجماتية، والمصالح والنزوات والأمراض الشخصية والطموحات، وجنون العظَمة والهلوسات التي تعشش في عقول ساسة وأصحاب نظريات وأيديولوجيات يستشعرون القوة فيغزون بها وبأمراضهم العالم، بعنصرية وعنجهية وغطرسة تستخدم كل أشكال الظلم والقهر والاستفزاز إلى جانب القوة والفتك بالسلاح، فتبعث فيما تبعث التعصب والتطرف رداً على التعصب والتطرف...

وفي الأحوال والتشكلات والتجليات جميعاً التي لهذه المتحورات المزمنة، نجد أنها تكون قاتلة بوحشية، ومدمرة للحياة ومقوماتها، وللقيم الإنسانية والأخلاقية وللعلاقات البشرية، بالإرهاب والرعب، وتكون مكامنها وحواضنها ومواطن تكاثرها هي الأنفس المِرضى التي تهيئ مناخاً وغذاء يزيدان التكاثر والنمو، حيث تتجدد المتحورات فيها وتنبعث منها بين حين وآخر جبارة عتيًّة، ويبقى في ظلمة كهوفها لا يضعُف هناك ولا يفنى، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، وبعضها ماثل للعيان أمامنا في بلدان أفريقية مثل: "ليبيا، والصومال، ومالي، والسودان"، وآسيوية مثل: "سوريا، والعراق، واليمن، وفلسطين، وأفغانستان، وباكستان، وبورما، وميانمار"، و” أوروبية مثل: "أوكرانيا...".

تنتشر كورونا ومتحوراتها السياسية وتفتك بموجات قوة ووحشية منذ زمن بعيد في العديد من دول العالم، فلسطين المحتلة، وقد أتت على الكثير من الأرواح والعمران ومقومات العيش فيها، وتتابع انتشارها... وبدلاً من أن يستنفر العالم ويتعاون لوضع حد لفتكها وانتشارها بالتصدي لها في مصادرها وحواضنها وأماكن انتشارها، نجد أن دولاً قوية ومتقدمة ومتحضرة تتعاون وتتحالف لتزيدها شراسة وانتشاراً وقوة فتك وتدمير، ولتطيل عمرها وتحميها وتنميها... بينما تعجز عن التعاون الناجح القادر على الحد من انتشار هذه المتحورات ومستنسخاتها، ووضع نهاية لفتكها بالشعوب والبلدان؟!

ويكاد الفارق يكون معدوماً بين من يصنع الموت ويصدِّره للعالم وبين من يمنع الشعوب من أن تقوم بمهامها في مكافحة وباء الكورونا ومتحوراته عبر الحصار الجائر والعقوبات الغوغائية ووسائل التلاعب بكل مقتضيات العمل الإنساني في هذه الأيام الحرجة، إن القاتل بالفيروسات المتحورة لا يختلف عن القاتل بالحصار والعقوبات، ويبدو أن المسار الأمريكي يتحرك على هذا المدى ذهاباً وإياباً، فالمهم هو أمريكا وما يقرره بايدن، حيث النظرة إلى الآخرين على أنهم كميات بشرية لا تصلح إلا لتلقي الأوامر الأمريكية، ولا تصلح أوطانها إلا أن تكون حدائق خلفية متناثرة تؤمن لأمريكا كل ما تطلبه أو تتطلبه المناهج الأمريكية القائمة على الجريمة وغواية سفك الدم.‏

في عصر كورونا ومتحوراتها المريعة، وفي هذا الواقع الذي يرهب فيه بشر من البشر الإرهاب ذاته، وينازع فيه أشخاص أعتى الوحوش وحشيتها... إننا نحتاج إلى جرعة أخلاق في السياسة، وإلى رفع مستوى الإحساس بالمسؤولية عن حياة الإنسان وحقوقه، لتصبح هناك معايير حاكمة للفعل السياسي، وللخيارات، والاستراتيجيات، وأساليب الأداء، والوسائل المتبعة لتحقيق الأهداف والمصالح... لأن نمط التحور السياسي قد طغى طغياناً مذهلاً، وينذر بمزيد من الطغيان والهذيان وانعدام المسؤولية، والتوحش، والبعد عن الخلقي والإنساني، ونحتاج إلى القيمة الأخلاقية التي تحافظ على مصالح متبادلة، ومسؤوليات متبادلة، واعتماد متبادل بين الدول والشعوب، يقوم على أسس وعوامل يتداخل فيها المادي والروحي، الجمعي والفردي، القومي والوطني من جهة، مع البشري والإنساني والأخلاقي من جهة أخرى.

ونحتاج إلى نوع من حضور القانون الدولي الإنساني وتطويره والإضافة عليه، ليصبح صيغاً تشريعية رادعة وحاكمة في كل دولة، من أجل تحقيق أبعاد ومسؤوليات إنسانية، وحقوق وواجبات على المستوى السياسي الداخلي في كل دولة، ولكي تؤخذ أحكامه وصيغه الرادعة في الاعتبار، عند رسم السياسات ووضع الاستراتيجيات، ويحسب السياسي والمعني بالتدبير والتخطيط أنه معرض للمساءلة مثلما يتعرض المنفذ المخالف للقوانين.

وتزداد الحاجة إلى ذلك في زمن المتحورات السياسية، لا سيما ونحن نشهد همجية سياسية متنامية، تتجاوز كل ما هو قانوني وخلقي وإنساني، وتظهر بغطرسة فائقة في ممارسات عديدة، وعلى مستويات متعددة، من دول كبرى وحلفاء وأتباع لها، ومن أنظمة ومعارضات وفئات تتطلع إلى مواقع سياسية، ومن مجموعات بشرية منطلقة من كل قيد، تعطي لنفسها الحق بذريعة أن غيرها لم ينصفها ولم يحفظ لها حقاً...؟!

نريد ذلك بسرعة وقوة ودقة، لكي يقوى الجانب الذي يرجح حقن الدماء، ودفن الفتن والصراعات الدموية، وتقريب الأفراد والمجتمعات من بعضها بعضاً، والشعوب والدول من مصالحها بالحوار والعقل والمنطق، ورفع درجة الوعي بحقوق الإنسان والمجتمعات والدول إلى درجة أعلى بكثير مما هو عليه الوضع الآن. ومن أجل ذلك ينبغي إضعاف مد المقولة التي تسود في عالم السياسة، وتقول بأنه لا يوجد، أو لا ينبغي أن توجد، أخلاق في السياسة؟!

إن هذا التوجه يؤسس للصراعات ويضري نارها، ويطلق العنان للطغاة والمغامرين وغير الأخلاقيين وللذين تغريهم شهوات التسلط والسلطة والنهب والعدوان والسلب، ويفتح أبواب الفوضى المدمرة على مصاريعها.

ينبغي أن يكون هناك موقف عام، واضح وقوي وواسع الطيف، يقف إلى جانب حكم قيمة وحكم قانون، يرتب مسؤولية ومساءلة ومحاكمة عادلة، على صعيد دولي ـ عالمي... علينا أن ننمي الجانب الخلقي في كل ما يحرك الفعل البشري ـ الإنساني، سواء أكان الفعل فردياً أم جماعياً، وندفع باتجاه ما يحركه إيجابياً، ونركز على أن يكون الهدف السياسي والمسار السياسي ذا بعد أخلاقي إنساني، ومن دون ذلك تصبح الحياة تكراراً سقيماً: للتحور والفحش والبطش والتوحش والعنف والتطرف والإرهاب، وتكراراً عقيماً: للأكل والتوالد والقتل والموت، وربما كانت أعظم فلسفة يسوِّغ فيها الإنسان العيش ويتحمل في سبيله المكاره هي: حمل رسالة سامية، وتحقيق أهداف أخلاقية وإنسانية وحضارية عالية في الوجود، والاستمتاع بتوازن بين الروحي والمادي في حياة نعيشها مرة واحدة، وتمضي دقائقها دون عودة.

خلاصة الكلام: إن علاج فيروس ''كورونا ومتحوراتها السياسية'' مهم، ولكن من الضرورة بمكان أن يتم الاتفاق على الحد الأدنى ''الإنساني ـ الأخلاقي البناء'' ليكون بمثابة مسطرة عالمية حاكمة ومعايير متفق عليها ومرجعيات بحكم الثوابت يُحتَكَم إليها ويعمَل بها، لكي ننطلق منها وبها ونبني جميعاً عليها ونعالج بها... وهذا من الأمور الصعبة ولكنه ليس من المستحيلات على الإطلاق. فالبشرية اليوم، باتت في خطر متعدد الجوانب والأوجه، وإزالة هذا الخطر تحتاج إلى تصحيح السياسات التي يجب أن تدفع للحفاظ على مصالح الشعوب والدول كي تتحقق الفوائد للضعفاء والأقوياء على حد سواء.

* كاتب صحفي من المغرب

اضف تعليق