كل ما يدور في العالم المعاصر هو بسبب القلق الذي يصيب الافراد سواء على مستوى حكام الدول او العامة من أبناء الشعب، فالقلق والخوف على مصير الحكم يدفع برئيس دولة ما الى استخدام الحديد والنار لديمومة حكمه، وتصفية خصومه الذين يقتربون من مشاركته في السلطة.

ويُعرف القلق على أنه الحالة النفسية التي تصيب الإنسان، نتيجة لتجمع مجموعة من العناصر الإدراكية والجسدية والسلوكية، وتؤدي إلى شعور هذا الإنسان بحالة من عدم الراحة النفسية وسيطرة الخوف والتوتر والتردد عليه، ولا يمكن للإنسان القلق تحديد سببه تحديداً دقيقاً، وقد يظهر القلق على هيئة توتر واضح على الإنسان، ويبقى هذا التوتر لفترات طويلة نتيجة لشعور هذا الإنسان بأنّه قد يتعرض لنوع من أنواع الخطر، وفي بعض الحالات يكون الخطر موجوداً بالفعل، وحالات أخرى يكون مجرد تخيّل وأوهام يصاب بها الإنسان، وتؤدّي إلى إصابته بحالة من القلق الشديد، والذي يؤثر سلباً على مجريات حياته.

ما نريد التطرق اليه هو القلق الذي يصيب الشخصيات السياسية وتجعلهم شخصيات متبدلة الاطباع والصفات غير التي عرفت بها قبل تسنمها منصب معين او الوصول الى مرحلة او تدرج وظيفي، يخشون فقدانه بأي شكل من الاشكال، وكأنه تركه خلفها لهم أحد الأجداد ولا يريدون التفريط بها، ويتعاملون معها على انها ملكهم الخاص ولا يحق لاحد الاقتراب منه.

وهذا الداء، (القلق)، كغيره من الفيروسات التي تضرب بقاع الكرة الأرضية، فقوة أمريكا وعظمتها في الوقت الحالي، لم تكون جرعة علاجية كافية ومانعة من الإصابة بداء القلق جراء السياسية الروسية، وصعود الصين السريع، في المجال التكنولوجي والاقتصادي، ومن الصعوبة تقبل اقدام تركيا على شراء صواريخ "أس 400" الروسية، فضلا عن قلقها الدائم من العمليات الإرهابية التي تطال مراكزها الحيوية وتنامي الدور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط وغيرها من الملفات المهمة على المستويين المحلي والدولي.

وتبقى الصين القافزة في المجالات العسكرية والاقتصادية قلقة حيال سياسة واشنطن تجاه تايوان، ودورها العسكري في بحر الصين والمحيطين الهندي والهادئ، ولا يخفي الاتحاد الأوروبي قلقه بعد خروج بريطانيا منه وما يمكن ان تفعله في الأيام القادمة من الناحية الاقتصادية ودورها الكبير في القارة.

ولا تقل نسبة القلق بالنسبة لروسيا التي تخشى سباق التسلح مع الولايات المتحدة، كما ان فرنسا قلقة حول الانفراد الأميركي، بحيث يرد الرئيس إيمانويل ماكرون على عودة أميركا إلى القيادة بأن "الزعامة تعني الشراكة"، ويصر على مشروع الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية مع وجود الناتو.

اذن ظاهرة القلق السياسي تنتشر في العالم برمته، ولكنها قد تكون الأكثر نسبة في العراق، ففي العراق وقد يتقاسم معه هذه الصفة بعض الدول العربية، من يصل الى كرسي الحكم لا يريد ان يتركه، ولو كان الثمن خسارة لجميع مبادئه وقيمه التي تربى عليها، وقد يصل الحال الى التمرد على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الحزب المنتمي اليه.

وحصلت كثيرا انشقاقات وخلافات بين قادة ومؤسسي حزب معين، أراد شخص ما التفرد بالسلطة والقرار، وقد تقول عزيزي القارئ ان هذا الطرح لا ينطبق على الواقع العراقي، وفيه نوع من المبالغة، وببساطة اطلب منك العودة قليلا الى الوراء، وتصفح سجل العراق السياسي بعد عام 2003، ستجد امثلة كثيرة على ما تم طرحه، قد نحتاج الى مجلد او اثنين لكتابتها تفصيليا.

فعلى سبيل المثال أحد المدراء العامين بقي في منصبه أكثر من عشرة أعوام، وبدأ بشن الحرب تجاه الموظفين الذين لديهم الرغبة في الوصول الى مركز الحكم، بهدف التطوير وليس الهيمنة على المنصب، فتراه يقصي هذا وينقل ذاك، ويعمل على تشكيل حاشية مقربة منه، وهذه الحاشية قد تكون من اقل الموظفين كفاءة بالدائرة، لكنه وظفهم لخدمة هدفه الأساس والمتجسد بالبقاء فترة أطول في المنصب صامدا امام رياح التغيير.

ولا ينحصر القلق بالحكام بل تسرب الى الشعب بطبقاته المختلفة، فهم ينتظرون نهاية صراعات الحكام وطموحاتهم، وما يمكن ان تفعله بهم، كذلك من حقهم الخوف على مصيرهم من الناحية الصحية والتعليمية وتوفير الوظائف للخريجين والعاطلين عن العمل، فهؤلاء نسبة الخوف لديهم تجاوزت الخطوط الحمراء، ولا يفضلون الانزلاق ابعد من ذلك حفاظا على ما لديهم من مكتسبات بسيطة.

أخيرا لا يمكن ان نفصل قيام السلطات الحكومية بقمع الثورات الحاصلة في العراق قبل تشرين عن هذا التوجه، الذي يعتبر القلق أحد محركاته الأساسية، فالحكومات جميعها تخشى على النظام السياسي القائم من الانهيار بدافع الخوف على مصالحهم الشخصية، كونه يوفر لهم فرصة البقاء طويلا والحصول على مكاسب مالية غير معهودة من قبل، كما انها وفرت لهم بيئة معيشية كانوا يحلمون بأدنى منها بكثير، مع ذلك فان القلق لا يزال ينغص عليهم ايامهم الجميلة ويحاصر امنياتهم العريضة.

اضف تعليق