في أحد اقواله الشهيرة حاول عباس محمود العقاد أن يبرر استقالته من الوظيفة، مفضلا عليها العمل الصحفي قائلا: إن الوظيفة هي رق القرن العشرين. ويبدو أن مزاج العقاد لم يكن يطيق ذلك الانضباط الروتيني الذي يعيش تحت سقفه آلاف الموظفين.

ذلك رأي عتيق جدا كما اظن. فالوظيفة والعمل الحكومي في كثير من الاحوال يصبحان قرارين لا بديل عنهما، اذا لعبت الظروف دورا كبيرا في اجبار الناس على الدخول الى العمل الحكومي، مضطرين وليسوا مختارين.

إن الواقع الاقتصادي يرتبط بالوضع السياسي ارتباطا وثيقا، وتبعا لقوة الدولة واستقرار اوضاعها تكتسب حياة الناس الاقتصادية شكلها الحقيقي. حين تكون عجلة الاقتصاد متوقفة، ويكون الاستيراد حالة دائمة، ثم تضرب جائحة كورونا ضربتها في شل حركة الناس بسبب اجراءات السلامة، التي تخللها حظر شامل وجزئي، وحين يخفض سعر صرف الدينار امام الدولار بعد كل هذه الصدمات سنشاهد طوابير العاطلين والفقراء والمحتاجين تزداد عددا.

وبحسب تقارير وزارة التخطيط فقد اسهمت كورونا بارتفاع اعداد الفقراء، وهذا يعني ان المواطنين سيبحثون بقوة عن فرص للتعيين في هذه الوزارة او تلك. ولن يكون امام احد من خيار سوى طرق باب الحكومة، فهي الفرصة الوحيدة التي تؤمن للمواطن دخلا مضمونا في كل شهر. اذن المواطن يهرب الى الوظيفة من عدم استقرار الوضع بصورة عامة.

ولن يكون في بال اي مواطن ما قاله العقاد ذلك لان الظرف العام يحكم خيارات الناس وقراراتهم.

لو تخيلنا ان تجربة السياسة بعد عام 2003 نجحت في تقديم أنموذج حقيقي في بناء البلد.

ولو ان المشاريع في الصناعة والزراعة سارت بشكل دقيق فهل كنا سنرى الخريجين، واصحاب المهن البسيطة يتظاهرون ويبحثون عن العمل كاجراء يعملون بالاجر اليومي في دوائر الحكومة برواتب قليلة تنقطع عنهم وتتأخر في احيان كثيرة.

في مقابل هذا الهروب الى الوظيفة تتحدث الحكومة عن عدم قدرتها على استيعاب كل العاطلين عن العمل من خريجين وغيرهم. وهذه حقيقة لكنها لا تعفي النظام السياسي بعد عام 2003 من المسؤولية. لقد اهدر الوقت والمال في صفقات فساد تعهدت كل الحكومات على كشفها ومحاربتها. مضى الوقت وآمال الآلاف من الشباب تنتظر لحظة التغيير الحقيقي.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق