لا يهمني كما اغلب العراقيين لماذا تجري عمليات الاعتقال من قبل القوات الأمنية، وبحق أي شخصية كانت سواء عامة، ام تحتل مكانة معينة في الهرم الحكومي، لكن ما يهمنا جميعا حالة الانفلات الأمني الذي حدث في بغداد صبيحة يوم السادس والعشرين من الشهر الجاري.

المظاهر المسلحة انتشرت وبشكل كثيف على بوابات المنطقة الخضراء التي يتواجد فيها رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة مصطفى الكاظمي كذلك الشخصية التي تم اعتقالها من قبل قوات مشتركة بطريقة الانزال الجوي بمنطقة الدورة في العاصمة.

وكما قلنا مقدما لا نريد ان نخوض في أسباب الاعتقال وماذا سيحدث في الأيام القادمة لمن تم القاء القبض عليه، فهذه الأمور جميعها تعود الى القضاء وهو من له القول الفصل بهذا الخصوص، ولا يحق لنا ان نتكلم بلسان حاله، لكن ما نود البحث فيه وتناوله هو مستقبل القوات الأمنية بعد هذه الحادثة ومكانتها في الشارع.

رئيس الوزراء في الوقت الحالي يمر بإحراج كبير قد يكون هو الأصعب منذ توليه رئاسة الحكومة حتى هذه اللحظة، فهو من جهة يريد ان يفرض هيبة الدولة، ومن جهة أخرى يحذر من ردود الفعل غير المسؤولة والتي من المتوقع حدوثها بأي وقت وحسب الإشارة.

القوات التي نزلت في شوارع العاصمة تحمل صفة رسمية ومنضوية تحت تسمية حكومية، لكنها تعمل دون إرادة القائد العام وتحرص على عدم اطاعته في الانضباط العسكري والحفاظ على السلم المجتمعي، ودليل ذلك هو الاستعراضات العسكرية التي تشهدها مناطق مختلفة من بغداد، مع صمت حكومي رهيب، وفي بعض الأحيان تخرج عن صمتها بتصريحات فضفاضة جوفاء.

بعد يوم صاخب في الاحداث، (يوم الانزال)، نستطيع ان نقول ان العراق انتقل الى مرحلة جديدة، مرحلة محفوفة بالمخاطر على مستقبل القوات الأمنية المتشكلة في عشرينات القرن المنصرم، وانهاء دورها تماما، ونحن في أكثر الأوقات حاجة اليها، ويمكن ان نلمس ذلك جليا في الممارسات التي حصلت، فعندما أدت القوات الاصيلة واجبها، انتصرت الجهات الأخرى وخرجت على القانون وضربت القرارات المتخذة من رأس السلطة.

من بين التفسيرات التي طفت للسطح ان الغرض الأساس من هذه الخطوة هو لإشغال الرأي العام وحرف اهتمامه عن قضية مقتل أحد المتظاهرين في ساحة التحرير، قبل يوم من تنفيذ العملية، وربما يريد الكاظمي القول ان حكومتي وعدت واخذت تنفذ وعودها بملاحقة بعض الشخصيات التي تعتقد بتقصيرهم في مجال ما او قضية معينة.

وان صح هذا التفسير فان الأمور لا تتم بهذه الصورة، فالتوقيت الذي حدثت فيه المسألة غير صحيح مطلقا، ذلك ان الملاحقة تأخرت كثيرا ومر أكثر من عام على إعطاء الوعود دون تنفيذ فعلي، والاكتفاء بتشكيل اللجان فقط، مع فقدان النتائج وعدم التوصل الى نهاية معلومة او نتيجة حقيقة.

على الصعيد المجتمعي فان مكانة القوات الأمنية اصابتها هزة إضافة الى الهزات المتوالية التي منيت بها في فترات سابقة، فمن المحتمل ان يقل احترامها بين الأوساط المجتمعية، ويلهج الجميع بالإخفاق الذي أجبرت عليه، نتيجة ضغوطات الفصائل المتعددة والتي لوحت بشن هجمات ضد العناصر الأمنية رغم ان الصنفين يعودان لنفس البلد ومن المفترض يأتمران لنفس القائد.

علاوة على ذلك فان الخلل الأمني الذي يعيشه البلد له تأثيرات سلبية على المديين القريب والبعيد، فعلى المدى القريب فأن الأصوات المنادية بتأجيل الانتخابات اخذت بالارتفاع، وأصبح لها من يقف وراءها ويجعلها خيار لا مفر منه في المرحلة القادمة، ويبدو انه لا يمكن ان تجرى في موعدها المحدد من قبل الحكومة، مع تأكيد مفوضية الانتخابات جهوزيتها.

ومن المكتسبات الآنية من الأوضاع الراهنة بقاء الكاظمي في السلطة للبحث عن حلفاء مؤكدين والحصول على فسحة من الزمن لعقد اتفاقات وثيقة عبورا للمرحلة القادمة ومد جذوره للتوسع والبقاء في رئاسة الحكومة المقبلة او التمديد بصورة مرحلية، وهذا ما بدت بوادره بالظهور في تصريحات بعض الكتل، وكذلك تصريحات الكاظمي التي تؤكد حصوله على الضوء الأخضر للبقاء.

وحتى لا تفوتنا الفرصة يجب التطرق الى نقطة غاية في الأهمية، وهي اطمئنان الأعضاء والمدراء العامين والوزراء الذين ينتمون للجهات التي لديها أذرع مقاتلة، وعدم ملاحقتهم من قبل الجهات الرقابية، طالما الحجز لشخصية على ذمة التحقيق يُثير حفيظة هذه الفصائل وينزلها للشارع دفاعا بحق او بدونه.

وعلى المدى البعيد فان المجتمع الدولي سيسحب يده عن الدعم الأمني للعراق أولا، وكذلك الدعم الاقتصادي ثانيا، وفي ظل الأوضاع التي يعيشها البلد، يصبح من العبث الحديث عن دخول شركات استثمارية في مجالات مختلفة، وقد يقف وراء ذلك إيرادات دولية للحفاظ على رواج أسواقها وتدفق سلعها وخدماتها الى الخارج.

مع العمل على عدم تهيئة الظروف المناسبة والبيئة الصالحة لنمو الجانب الاستثماري لجلب الشركات الأجنبية وكذلك العربية صاحبة الريادة في حقل من الحقول العمرانية، وعليه يبقى العراق تحت رحمة الدول الصناعية الكبرى وغيرها بما فيها الجارة.

وفي الختام نقول امام الكاظمي وحكومته فرصة ذهبية واحدة لا غيرها، بها يعيد هيبة القوات الأمنية وخطواتها تجاه المخالفين او المشتبه بضلوعهم بأعمال غير قانونية، وهذه الخطوة تتمثل بعدم الخضوع الى التأثيرات الجانبية والمضي بخطواته وفق ما مخطط لها، وخلاف ذلك سيكتب الشعب والمجتمع الدولي على حكومته السلام.

اضف تعليق