الحالة العراقية ترتبط جذريًا بما عبر عنه السياسي الألماني الأمريكي "ليو شتراوس" حول تجربة أوروبا التاريخية حيث يقول (ترتبط بعجز الإنسان عن الإحاطة بالطغيان بكل واقعية وفهم حقيقته). وكما يعبر عن ذلك أيضاً "مكيافيللي" في "كتاب الأمير" (لا يوجد تمييز بين مصطلحي الطاغية والملك).

نتحدث يومياً ببلاغة عن مآسي العراقيين. وينشر بشكل يومي الأخبار والبيانات عن تقديم الخدمات المتردية التي تصيب ملايين الناس اللذين يمرضون ويموتون نتيجة لذلك.

تقول وزارة التخطيط بأن هناك عشرة مليون عراقي تحت خط الفقر على الرغم من تصنيف العراق كأغنى بلد في المنطقة بموارده النفطية والغازية وخصوبة أراضيه، بينما تحدث تقرير الأمم المتحدة "ارتفاع نسبة الفقر في العراق بين سبعة و14 في المئة." و "أن أعدادًا ستضاف إلى نحو 6.9 مليون عراقي موجودون أصلا قبل اندلاع أزمة جائحة كورونا." فيما يشكل الأطفال ما يصل إلى 4.5 مليون عراقي معرضون للخطر.

كل تلك المآسي لم تلهم أحلام التغيير بل شرع الباب على مصراعيه للجهود الدولية وظهور التدخلات الاقتصادية والأمنية والسياسية تحت ذريعة "تبادل المنفعة" أو " مساعدات خارجية" التي منها المشورة والقروض ونشر ثقافة الرأسمالية والديمقراطية، ويشترك كل من اليمين واليسار ودول المنطقة في هذه الجهود.

السؤال المهم، كيف تستطيع الحكومة إنهاء معاناة العراقيين؟ حاولت الحكومة وضع برامج إصلاحية تحدث عنها قادة الكتل السياسية ووسائل الإعلام، وما تزال تلك الخطابات تفشل في تحقيق هذا الهدف الجميل.

بشكل يومي يدور الجدل حول دور السلطة الذي يضيع جهدها على خطط أكثر مأساوية عندما تتعلق بالشهرة والمصالح الضيقة من خلال ظهوره رجالها كأبطال يقدمون الخدمات الفقيرة والبسيطة والملحة. حتى أصبح الكثير من المواطنين الفقراء يساعدون أنفسهم بعد أن عجزوا عن تلبية أدنى حقوقهم. ورغم ذلك يمتلك الفقراء سعة من التفكير والإنجاز أكثر مما يحققه صاحب المسؤولية، الذي يقف حجر عثرة في كثير من الأحيان أمام تنمية القطاع الخاص ودعمه وتطويره.

حتى على مستوى المحافظات لم تنجح خطط التنمية بسبب هيمنة الخطط الفضفاضة والطوباوية غير الفعّالة. لقد رأينا أن سبب ذلك هو الصراعات الحزبية والنفوذ والانتخابات، وسوء التخطيط وضعف الخبرات.

ولا شك لا زالت عقلية السلطة تتأثر بأسطورة الطائفة والقومية (أنها بدأت خطوتها الأولى عبر المحاصصة) والتي لا تستطيع الخروج منها سوى عبر "إزاحة كاملة" أو بـ "تصفير المعادلة"، لتنطلق عملية ديمقراطية جديدة وعادلة تحد من الفساد وتنبذ العنف وتحقق التنمية المستدامة.

وإذا ما أردنا مقارنة حكومة كانت مركزية أم محلية سيئة، بقلة الموارد ولضعف النمو الاقتصادي. تعود أولى التقديرات إلى بيانات نفس الحكومة والإعلان عن أزمات اقتصادية لاحقة خلال الأعوام التي سبقت سيطر داعش على أراضي شاسعة من العراق، وأيضًا لدينا تقييمات سلبية لنفس السنوات من مشاريع بحثية واستبيانات وتقييم لداء الحكومة وللديمقراطية والنزاهة.

لقد افتقرت البلاد بسبب الفساد وكانت أكثر عرضة لإدارة حكومات سيئة لا زالت تحكم قبضتها، فعندما نقرن الأمر بالفقر وسوء الأداء وبطء النمو والركود، يتضح لنا أن السلطة السيئة هي السبب في ذلك كله.

منذ عقدين من الزمن لا نزال من الصعب أن ندرك توجه النظام السياسي الذي انبعث جراء حروب عديدة وتغيير للسلطة شاركت فيه قوى دولية فرضت إراداتها،

ولا زالت موجة الإصلاح في حالة ركود، إن لم تكن غير موجودة، ولأننا مقيدون بحالة من الخوف والخشية من التغيير، في وقت لا زالت النخب غير قادرة في كثير من الأحيان أن تؤدي دورها وهي مقيدة بإطار تحليلي لا تستطيع الخروج منه بما يخص التجديد والتحديث.

أما الحديث عن الظلم والطغيان فانه محظور. وإذا ما تقدمت أدلة على واقع الفساد وتساءلنا عن كل ما يجري، فهناك بعض المنتفعون والسذج المشوشون من ذوي السلطة وفلكها سيقارنون وضعنا الحالي الفاشل بأوضاع سابقة فاشلة أيضًا.

لذا يمكننا القول إن أصالة الممارسة السياسية العراقية هي في الحقيقة نفي للدولة عبر ممارسات تشابه تلك التي وصفتها الفيلسوفة "حنة أرندت" بالإرعاب، وهو "المكون الأساس للسيطرة الشمولية وجوهرها" وأن "الرعب يسحق الناس بعضهم ببعض، فيدمر الفضاء والمساحات بينهم".

الحالة العراقية يعود تناقضها بشكل أساسي في النظام كما يعبر عنه الفيلسوف الفرنسي "ألان باديو" حيث يقول (الدولة ليست محايدة اقتصاديًا، من حيث الإنتاج وضبط الفائض وتوزيعه، وهذا النظام لا يمثل الامتداد البسيط للبنية الفوقية لطبقة مسيطرة على مستوى علاقات الإنتاج، بل يؤدي على العكس، دورًا حاسمًا في عملية خلق الطبقات المسيطرة اقتصاديًا انطلاقًا من النخبة السياسية الحاكمة الجديدة).

ونتيجة لذلك الظلم ظهرت الحركات الاحتجاجية بشكل تدريجي، اكتسب المواطن من خلالها بعدًا تاريخيًا، ولكن لا يبدو أن بوسعه لوحده تحمل ذلك العبء، فهو بحاجة إلى برنامج ومقترحات سياسية تقدم في الوقت الحالي وعدم الاكتفاء باستمرار الحال على ما هو عليه، حيث سيؤدي ذلك إلى ازدياد العزلة والطائفية والمحاصصة السياسية.

لا زالت الشرعية بيد الأكثرية من الناس وهو "سلاح الدمار الشامل" ضد فساد السلطة، لكن عدم الفهم والانقياد الأعمى يقف وراء الإخفاقات المتكررة لـ "وعينا" ضد محنة الفساد، ولا شك أن تكلفة هذا السلاح عالية جدًا وأن قادة السلطة الكبار والصغار غير مستعدين لدفعها، لأنه غير مرغوب فيه، لأنه يصب في بوتقة "المشاركة" السياسية والاقتصادية ثم يستهدف السلطة السياسية التي تحتكر القوة وتتشبث بنفسها لتحرم شعبًا من تضحياته وتاريخه وجذوره.

لذا فالمشاركة السياسية الواعية أصبحت أمرًا واجبًا وهي لا تعني منح السلطة والشرعية فقط، بل يجب أن تكون هذه المشاركة تأخذ الاستحقاق الطبيعي.

كاتب صحفي وباحث عراقي

اضف تعليق