تردد مصطلح التكنوقراط كثيرا في اروقة السياسة، ويافطات الدعاية الانتخابية الحزبية التي وظفت المصطلح لدعم شعاراتها الاصلاحية، وتزيين وعودها الانتخابية، بادعاء ابعاد الوزارات ومؤسسات الدولة الخدمية عن المحاصصة الحزبية، اعترافا منها واقرارا بالدور الكارثي الذي لعبته الانتماءات الحزبية في دوائر الدولة ومؤسساتها.

التكنوقراط او حكومة الخبراء مألوفة في العالم الغربي، حيث بدأت كحركة في الثمانينات تهدف لمكافحة الكساد الاقتصادي وحل المشاكل الاجتماعية المعقدة، وبعد احتلال العراق سنة 2003، توسل الحاكم المدني بأسلوب التكنوقراط لبسط السيطرة على جميع الوزرات من خلال فرق المستشارين الامريكيين الذي عينهم في وزارات الدولة، وكان الهدف المعلن هو المساعدة في اختيار الخبراء لإدارة هذه الوزارات، غير ان الوسيلة لا تكفي دون وجود غاية حقيقية وجدية من وراء استخدام هذه الوسيلة.

وقبل كل ذلك كان سقراط المولود سنة 400 قبل الميلاد، من اوائل المنادين بحكومة التكنوقراط، ويرى ان الانتخابات ونظام القرعة لا يمكن ان يأتي بحكومة ناجحة، انما يأتي نجاح الحكومة عندما يتزعمها القلة من العلماء والحكماء واهل الرأي والمعرفة، وهؤلاء فقط من يجب ان تترك لهم شؤون الحكم، وليس من يختارهم الشعب بالانتخابات، في إشارة الى أهم مساوئ الانتخابات الا وهي سيطرة الولاءات الحزبية او القومية او المذهبية على ارادة الناخب واختياره، وصعود نواب لا شأن لهم بالسياسة ولا بفنها وخباياها.

قد لا تكون اراء سقراط مقبولة في الطعن بالانتخابات كونها وسيلة سلمية وحضارية لتداول السلطة، وتعد المظهر الرسمي الوحيد المتبقي بيد الشعب للتعبير عن ارادته وتوجهاته، غير ان التكنوقراط خيار ناجح فيما لو استغل بجدية ولا هداف حقيقية، لاسيما إذا تم توظيفه في الجانب التنفيذي بصورة أساسية.

ليست اهمية كون القائمة الانتخابية الفلانية تضم تكنوقراط في مختلف المجالات، بقدر اهمية ان يكون الوزير ومدراءه العامون من ذوي الخبرة والاختصاص، وليس من ذوي الانتماء السياسي الفلاني، ففي دولة تعاني من سوء خدمات وبنى تحتية متهالكة كالعراق، يكون مهما وجود برلمان من ذوي الكفاءات والاختصاصات العلمية المختلفة، غير ان الاهم من ذلك وعلى المدى القريب في الأقل، ان تسلم الوزارات الى اصحاب الخبرة والكفاءة بغض النظر عن توجهاتهم السياسية وانتماءاتهم، بل الاجدر ان يكونوا مستقلين تماما.

فالبيت التشريعي هو بيت الشعب وممثلهم، والشعب فيه التكنوقراط والثيوقراط والابستقراط، وفيه عباد الله الذين يمشون على الارض هونا، وكل هؤلاء لهم الحق في التمثيل التشريعي، غير ان ادارة الدولة لا تفترض وجود كل اطياف الشعب في مفاصلها، ولا تفترض التنوع والتحاصص والتقاسم والتوازن الدستوري المزمع، ادارة الدولة تحتاج الى تكنوقراط مستقل.

نادى سقراط بحكومة التكنوقراط، وتلقفها السياسيون في انعطافة اضطرارية لإنقاذ الرصيد الانتخابي، فجاء التكنوقراط سياسي! لم يبقى من تكنوقراطيته الا شهادته.

* الدكتورة ميسون طه الزهيري، عضو ملتقى النبأ للحوار، استاذة القانون الدستوري جامعة بابل

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

;

ساهم في دعم المؤسسة

التواصل الاجتماعي

009647902409092

ann@annabaa.org

عن الشبكة

شبكة واسعة متعددة الأبواب والصفحات تتضمن معارف ومعلومات في الفكر والثقافة والدين والتراث والسياسة والاقتصاد والاجتماع والعلوم وغيرها، تتمثل في صحيفة الكترونية يومية شاملة.. وتهدف إلى الدفاع عن حقوق الإنسان ونشر الوعي والدعوة إلى بناء الإنسان فكريا وثقافيا، وتطوير مهاراته وإمكانياته وتفكيره للتواصل والاتصال والمراسلة: ايميل: annabaa@gmail.com هاتف+واتساب: 009647902409092

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلامⒸ 2021-1998