ليس هناك نص في دستور جمهورية العراق، أثار جدلاً كالجدل الذي اثاره نص المادة (76) بفقرتها الأولى التي نصت على أن ( يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، بتشكيل مجلس الوزراء، خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية)، وكانت بداية النزاع حول تفسير وتطبيق هذا النص وكما هو معروف في انتخابات سنة 2010، ولم يكن هناك مناص من اللجوء الى مطرقة المحكمة الاتحادية العليا، لتفصل في النزاع، وكان اتجاهها نحو التفسير الحرفي للنص الدستوري، وبذلك قررت ان الكتلة الاكثر عددا هي الكتلة النيابية سواء كانت قائمة انتخابية واحدة وحازت على الاكثرية وبقيت هي الكتلة الاكبر داخل البرلمان، او الكتل التي تحالفت واصبحت هي الاكثر عدداً وفي الجلسة الأولى.

لا خلاف ان افتراض الاكثرية العددية هو الاقرب الى المنطق من ناحية التمثيل العادل لمجموع الناخبين، (طبعا على افتراض ان هذه التحالفات ستكون نموذجية فيما لو تمت على أسس برامجية لخدمة الشعب بأجمعه، وليس على أساس المصالح التي ستقسم بين المتحالفين)، وبذلك حلت المحكمة الازمة التي عطلت تشكيل الحكومة لأكثر من ثمانية اشهر بعد انتخابات سنة 2010.

عادت مشكلة الكتلة الاكبر لتفجر نزاعا جديداً بعد استقالة حكومة عبد المهدي، الأمر الذي دفع رئيس الجمهورية ليتوجه بطلب الى المحكمة الاتحادية العليا من أجل تحديد الكتلة الاكبر الوارد ذكرها في المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، فردت المحكمة أن تعبير (الكتلة النيابية الاكثر عدداً) الواردة في المادة (76) من الدستور تعني اما الكتلة التي تكونت بعد الانتخابات من خلال قائمة انتخابية واحدة.

او الكتلة التي تكونت بعد الانتخابات من قائمتين او أكثر من القوائم الانتخابية ودخلت مجلس النواب واصبحت مقاعدها بعد دخولها المجلس وحلف اعضاؤها اليمين الدستورية في الجلسة الاولى الاكثر عدداً من بقية الكتل، فيتولى رئيس الجمهورية تكليف مرشحها بتشكيل مجلس الوزراء طبقاً لأحكام المادة (76) من الدستور وخلال المدة المحددة فيها.

وبذلك ارجعت المحكمة الاتحادية الاطراف المتنازعة الى الجلسة الاولى التي عقدت بعد انتخابات سنة 2018، وفي الحقيقة هذا القرار غريب، وهو غير مألوف في حالة الانظمة البرلمانية لاسيما تلك الانظمة القائمة على نظام تعدد الاحزاب، حيث لا حزب قادر على تحقيق الاغلبية المريحة، بالتالي لابد من التحالف مع غيره من الاحزاب او الكتل في اغلب الاحيان من اجل تحقيق اكثرية في المقاعد البرلمانية.

هذه الاكثرية تتيح لهذه التحالفات تشكيل الحكومة البرلمانية، فالحكومة البرلمانية حكومة تخرج من رحم البرلمان، وهي لذلك ولكي تنجح في استمرارها وعملها فلابد من توفر اغلبية برلمانية داعمة، قادرة على تمرير قراراتها ومشاريعها وقوانينها، وحقيقة كون النظام البرلماني في بيئة متعددة الاحزاب، يجعله نظاماً قائماَ على التحالفات السياسية.

فبدون هذه التحالفات والتوافقات لا سبيل لتمرير القوانين ومشاريع وسياسات الحكومة، والتحالفات السياسية متغيرة وغير ثابتة وهذا ما لمسناه في تحالفات الكتل البرلمانية العراقية، بالتالي فإن افتراض بقاء الكتلة الاكبر قائمة بذات تحالفاتها واكثريتها، بعد استقالة الحكومة لايمكن ان يكون مطلقا، فالحكومة لا تستقيل لسبب غير متعلق بشخص رئيس الحكومة مالم تكن هناك ظروف سياسية مستجدة، نزاعات، اختلافات.

وأحيانا قطيعة بين البرلمان والحكومة، فمن غير المنطق افتراض بقاء التحالفات متماسكة في ظل هكذا ظروف سياسية متغيرة، كالتي تشهدها الساحة العراقية، في الوقت الذي تنهار فيه الحكومة الائتلافية، تلك الحكومة التي أتت عبر توافقات وائتلافات هذه الكتل. من هنا لمسنا غرابة قرار المحكمة الاتحادية.

فلو افترضنا وجود كتلتين تحالفت وقدمت رئيس حكومة، ثم حدثت اضطرابات سياسية او اختلافات، تظاهرات شعبية واستقالت الحكومة، فو ان الكتلتين لم تبق على تحالفهما وحدث انشقاق بينهما وانهار التوافق بينهما، هل من المعقول ترك البلد بلا حكومة لحين عودة الانسجام لهاتين الكتلتين او الحزبين؟ هل من المنطق افتراض ذلك؟ لاسيما ان النص الدستوري يمنح مهلة اختيار رئيس الوزراء الجديد بالأيام (15 يوما)، هل من الحكمة ربط مصير تشكيل الحكومة بعودة المياه الى مجاريها بين اشلاء الكتلة الاكبر؟

وهكذا افتراض سيزيد من اشكالية المحاصصة بين هذه الاشلاء لكي ترضى بالاجتماع والالتحام مجدداً، في الحقيقة كان يفترض ان يكون قرار المحكمة الاتحادية بتحديد الكتلة الاكبر في الجلسة الاولى ينطبق فقط على موضوعة اختيار رئيس الوزراء للمرة الاولى بعد الانتخابات لذلك يلزم تحديد الكتلة الاكبر مرة اخرى قبل اختيار مرشح رئيس الوزراء بعد استقالة او اقالة او وفاة رئيس الوزراء، ففي كل مرة نحتاج كتلة أكبر جديدة قادرة على انتاج حكومة جديدة بعد انهيار الحكومة السابقة.

والدليل على ذلك ما ورد في قوانين ودساتير الدول البرلمانية العريقة كبريطانيا وكندا، استراليا فالقانون الكندي مثلا يلزم بقاء التحالف او الحزب الاكبر مهيمن على الاكثرية عند اختيار مرشح اخر لرئاسة الحكومة بعد وفاة او استقالة او اقالة رئيس الحكومة.

بالتالي فان ثبت هيمنة حزب اخر او تحالف اخر على الاكثرية فهو من سيقدم مرشحه لرئاسة الوزراء، وفي العراق ونتيجة لانعدام التفاصيل الواضحة لهذا الموضوع، كان الاجدر الاقتداء بتجارب الدول البرلمانية المستقرة، والبحث عن اغلبية تنتج حكومة جديدة ضمن السقف الدستوري المحدد، بدل الحكم على كتلة الجلسة الاولى الاكثر عدداً بزواج كاثوليكي مدى حياة الدورة البرلمانية الحالية.

* الدكتورة ميسون طه الزهيري، عضو ملتقى النبأ للحوار، استاذة القانون الدستوري جامعة بابل.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0