تعد حكومة الدكتور عادل عبد المهدي، الحكومة الاولى التي يقوم رئيسها بتقديم استقالته قبل انتهاء عمر الحكومة، منذ تشكيل اول حكومة عراقية برلمانية في سنة 2006 ولغاية 2019، ولخلو نصوص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 من تنظيم موضوع استقالة رئيس الوزراء الذاتية، فقد ثار الجدل القانوني والسياسي حول اجراءات طلب الاستقالة واثارها القانونية.

ابتداءً هل يحق لرئيس مجلس الوزراء تقديم استقالته؟ بالتأكيد ستكون الاجابة بنعم على هذا السؤال، فلا يمكن اجبار اي مكلف بمنصب عام او خدمة عامة او موظف بالبقاء في مكان عمله رغما عنه ان توفرت لديه النية في ترك ذلك العمل، بالتالي فإن انعدام التنظيم الدستوري لموضوعة الاستقالة الذاتية لرئيس منصب الوزراء لا تحول دون اتاحة ذلك الخيار له، كما ان المادة (75) – اولا- من الدستور اجازت لرئيس الجمهورية تقديم استقالته الى رئيس مجلس النواب، ورئيس الجمهورية هو شريك مجلس الوزراء في السلطة التنفيذية طبقا للمادة (66) من الدستور العراقي.

المسألة الثانية التي اثارت الجدل بين الباحثين هي الجهة التي تقدم اليها استقالة رئيس مجلس الوزراء، إذ قدم السيد عادل عبد المهدي استقالته الى رئيس مجلس النواب، في الوقت الذي تنص فيه المادة (18) من النظام الداخلي على ان يقدم الرئيس (رئيس مجلس الوزراء) طلب اعفائه الى رئيس الجمهورية، وهنا اتجهت بعض الاراء الى ان الاصح هو الالتزام بنص المادة (18) من النظام الداخلي لمجلس الوزراء وان رئيس الجمهورية هو الجهة التي كلفت رئيس المجلس بمهام رئاسة المجلس، وبالتالي يفترض ان الاعفاء من هذه المهام يقدم اليها، في الحقيقة هذه الآراء قد جانبت الصواب في عد رئيس الجمهورية مرجعا اداريا بالنسبة لرئيس مجلس الوزراء، حتى ان نص المادة (18) من النظام الداخلي لمجلس الوزراء في ظاهرها توحي بذلك، غير ان الادق هو التوجه بطلب الاستقالة يكون الى مجلس النواب، ذلك ان منصب رئيس الوزراء هو منصب سياسي بالدرجة الاولى، يتولاه الرئيس عن طريق منح الثقة له من قبل مجلس النواب، فيكون من المنطق القانوني ان الجهة التي منحت الثقة هي الجهة التي لها ان تسحبها او تقبل استقالتها، وان علاقة رئيس الجمهورية برئيس مجلس الوزراء لا يمكن قياسها على أساس العلاقة بين الموظف والمرجع الاداري، وان رئيس مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية، كلاهما يمثلان شطري السلطة التنفيذية.

رب سائل الان يسأل لم ورد الامر خلاف ذلك في النظام الداخلي لمجلس الوزراء؟ في الحقيقة بما ان استقالة رئيس مجلس الوزراء غير منظمة في الدستور، فان باب الاجتهاد مفتوح وقد جاء توجه المشرع بهذا الاتجاه وان كان غير دقيق.

المسألة الثالثة هي مسألة قبول الاستقالة بالتصويت من عدمها، فقد اتجهت بعض الآراء الى ان استقالة رئيس مجلس الوزراء لا تحتاج الى قبول، فلا داعي لتصويت المجلس عليها وذلك قياسا على نص المادة (75) من الدستور والتي تتعلق باستقالة رئيس الجمهورية، حيث عدت استقالة رئيس الجمهورية نافذة بعد مضي سبعة أيام من تاريخ إيداعها لدى مجلس النواب، وذلك على خلاف حكم قبول استقالة احد اعضاء هيئة رئاسة البرلمان حيث نصت المادة (12) من النظام الداخلي لمجلس النواب العراقي على ان استقالة احد اعضاء هيئة الرئاسة تقبل بعد موافقة المجلس بأغلبية عدد اعضائه الحاضرين، ما حصل ان مجلس النواب قرر التصويت على قبول استقالة رئيس مجلس الوزراء وهذا يعني ضمناً ان بإمكان المجلس التصويت على عدم قبولها في ذات الوقت فهل كان اجتهاد المجلس موفقاً؟.

باعتقادي ان اتجاه المجلس نحو التصويت على قبول الاستقالة هو اتجاه موفق، وهو يعطي الحق لمجلس النواب في التصويت على عدم قبولها ذلك ان منصب رئيس الوزراء في النظام البرلماني بالنسبة للسلطة التنفيذية، هو منصبا محورياً وقد تتحقق حالات تستدعي رفض استقالة رئيس الحكومةـ كما لو ان مجلس النواب مثلا يعتزم استجواب رئيس الحكومة بأمر على درجة من الاهمية وذو علاقة بالمصلحة العليا للدولة يستدعي حصول الاستجواب لاستيضاح الحقائق والوقوف على ابعاد المسألة المستجوب فيها، وهذا لا يتم اذا ترك رئيس مجلس الوزراء منصبه، وفقد صفته إذ لا يمكن للمجلس استجواب الوزراء السابقين وفقا للمادة (59) من النظام الداخلي لمجلس النواب والتي نصت على ان الاستجواب يسقط بزوال صفة من تقدم به أو من وجه إليه.

وعلى ذلك فإن عد الاستقالة مقبولة ونافذة دون تصويت المجلس تحول دون اتمام استجواب رئيس مجلس الوزراء وهذا سيكون منفذاً له للخلاص من المسائلة البرلمانية، بالتالي نحن نؤيد اتجاه مجلس النواب في تقرير التصويت على استقالة رئيس الحكومة.

المسألة الرابعة التي أثارت جدلا في الاوساط السياسية والاكاديمية هي الأثر القانوني لاستقالة رئيس مجلس النواب، ذهب جانب من الآراء الى عد الاستقالة تحقق الخلو في منصب رئيس مجلس الوزراء بالتالي يتعين على رئيس الجمهورية أن يقوم مقام رئيس مجلس الوزراء عند خلو المنصب، وفقاً للمادة (81) من الدستور، ولأن المادة في فقرتها الاولى نصت على تحقق الخلو لأي سبب كان، فهذا لا يمنع ان تكون الاستقالة من أسباب الخلو.

في حين ذهب الجانب الاخر من الآراء نحو تحول الحكومة الى حكومة تصريف اعمال، ويبقى الوزراء ورئيس الوزراء في مناصبهم لتسيير الامور اليومية للحكومة دون مسؤوليات كبيرة كتوقيع الاتفاقيات او ابرام العقود او القروض او تقديم مقترحات قوانين وما الى ذلك، وفي رأينا ان الاستقالة يمكن ان تشكل حالة خلو منصب كما يمكن ان تؤدي الى تحول الحكومة نحو حكومة تصريف الاعمال اليومية وذلك قياساً بنصوص المواد الدستورية الاتية:

1- المادة (61) ثامنا، د- (في حالة التصويت بسحب الثقة من مجلس الوزراء بأكمله، يستمر رئيس مجلس الوزراء والوزراء في مناصبهم لتصريف الأمور اليومية،...).

2- المادة (64)، ثانيا (....ويعد مجلس الوزراء في هذه الحالة مستقيلا، ويواصل تصريف الامور اليومية).

كما يمكن ان تتحقق حالة الخلو بالاستقالة وبذلك يحل رئيس الجمهورية محل رئيس الوزراء المستقيل ولحين تشكيل حكومة جديدة وفقاً للمادة (76) من الدستور العراقي، في حالة عجز رئيس مجلس الوزراء عن الاستمرار بحكومة تصريف الاعمال اليومية، وقد يكون ذلك لأسباب صحية او سياسية الى غير ذلك، ويمكن تبيان ذلك في ذات كتاب الاستقالة، حيث يعلن رئيس الوزراء امكانيته في ان تبقى حكومته تصريف اعمال، او تركه المنصب نهائيا ليتحقق بذلك الخلو، وهذا ما بينه رئيس الوزراء المستقيل في كتاب استقالته الموجه لمجلس النواب حيث ذكر فيه (...لأن البلاد لا تتحمل حكومة تصريف امور يومية...)، وبذلك اعلن عن رغبته وامكانيته في البقاء كحكومة تصريف امور يومية.

* الدكتورة ميسون طه الزهيري، عضو ملتقى النبأ للحوار، استاذة القانون الدستوري جامعة بابل

...........................................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3