من أغرب الامور في العملية السياسية الجارية في بلادنا، تناسي القائمون عليها تشكيل مؤسسات كانوا اتفقوا عليها مبكرا من شأنها تحقيق أكبر قدر من أحلام الشباب، او توزيع القهر بالتساوي بينهم في حال العجز عن تلبية التطلع لعيش كريم في بلد معروف بثرائه، وأول تلك المؤسسات مجلس الخدمة الاتحادي الذي مضى على تناسيه ما يقرب من عقد ونصف من الزمن دون أن يرى النور، او من يدعو لتفعليه من الذين وضعوا أياديهم على صدورهم متعهدين بتعويض العراقيين عن سنوات الحرمان التي كابدوها أيام تسلط النظام السابق.

اجزم ان مباشرة هذا المجلس عمله سيسد الباب بحدود كبيرة أمام عمليات فساد متنامية بسرعة فائقة في مؤسسات الدولة كلما تقدمت العملية السياسية بعمرها، وضمان توزيع الوظائف على العاطلين بطريقة عادلة من شأنها تعزيز ثقة المواطنين بهذه العملية التي اسودت صورتها في أذهان كثير الناس، ولكن بعد مرور هذه المدة الطويلة لا يمكنني الحديث عن نسيان، بل تناسي مع سبق الاصرار، لأن مجلس الخدمة يضمن استحقاقات الناس بالعمل، وليس لدي من تبرير للتناسي سوى انهم لا يريدون للتنظيم أن يكون حاكما، فالفوضى تضمن مصالحهم، وتعمق نفوذهم، وتمنحهم فرصة التفضل على الآخرين، مع ان الحصول على فرص العمل حق أكدته جميع الشرائع، فلا يمكن للحياة أن تكون كريمة من دون عمل شريف بعيدا عن مكرمات المجاهدين والمتطفلين والذين جاءت بهم الصدفة ليتحكموا بمصائر الناس.

فمن التعسف أن تتحول مؤسسات الدولة الى مؤسسات عائلية للأبناء والأقرباء والفائض من الدرجات الوظيفية يوهب للمعارف والأصدقاء، ويهمل اولئك الذين مضت سنوات طويلة على تخرجهم من الجامعة، ومنهم من بلغت مدة تناسيه عقودا عديدة، بينما يعين من تخرج قبل أشهر تُعد على أصابع اليد، بل هناك من يعين أبنائه حتى قبل التخرج، ولكي لا يجلب الأنظار نحوه يعينه في دائرة يديرها صديق او في اطار تبادل المصالح، ولذلك نجد عوائل بكاملها تعمل في مؤسسات الدولة، بينما نرى كثيرا من الناس استعبدتهم المزابل والأرصفة (بـبسطيات وأكشاك) بسيطة، وبصعوبة بالغة تسد مردوداتها المالية رمقهم، فهل رأيتم ظلما أكثر من هذا؟، ومع ذلك يتساءل العباقرة مستغربين بروز ظواهر الى سطح الواقع لم يكن المجتمع على معرفة بها كحالات الانتحار والجريمة بأشكالها المختلفة.

اذ أعمى الطمع والجهل بصرهم وبصيرتهم عن رؤية الغاطس من المشكلات، فبتنا نرى تمايزا طبقيا واضحا بين شرائح المجتمع أفرزته تباينات حادة في المستوى الاقتصادي، ويا لهول هذا التمايز عندما يتعمق، فلا أشد وطأة منه على مستقبل البلاد، فقد وطّن التمايز أمراضا في جسد المجتمع تكاد تكون مزمنة كالحقد والانتقام والتصارع والحسد والغيرة والنفاق وغيرها، وتمظهرت بسلوك عنيف، بدا بعضه غريبا، ما يضيف جديدا الى المتراكم من الروح العدوانية التي خلفتها الطائفية والأعمال الارهابية والفكر المتطرف.

لا يقتصر عمل مجلس الخدمة الاتحادية على تحقيق العدالة بين الناس فحسب، بل سيحث مختلف الوزارات على بيان احتياجاتها الفعلية لقوى الانتاج من الشباب، ما يجبرها على رسم الاستراتيجيات المناسبة، بمعنى التخطيط الحقيقي للمستقبل، وليس الاستناد الى العشوائية في العمل كما هو حاصل الآن بتخريج الملايين من الطلبة ورميهم في الشوارع، واهدار الأموال الطائلة التي أنفقتها الدولة على تأهيلهم.

من بين ما يعنيه مجلس الخدمة سحب صلاحيات التعيين من ادارات يشكل التافهون فيها نسبة لا يستهان بها من الذين تتحكم بهم الأهواء والنزعات وعلاقات القرابة والضغوط المفروضة، وما هو غير مشروع، لحساب مؤسسة واضحة لا يحتاج فيها المواطنون للتذلل عند هذا وذاك من الذين تجردوا من مشاعر الانتماء للوطن.

نريد مجلس خدمة يعمل بسياقات محددة لا تتبدل بتبدل الأشخاص، او نوع الأحزاب الممسكة بالسلطة، أليست هكذا هي دولة المؤسسات، راجعوا الدستور ان كنتم ناسين.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق