عندما نتحدث عن الدعاية السياسية الشرسة والتي تستولي على العقل بشكل كامل يتبادر إلى الأذهان الدعاية النازية باعتبارها من أسست لهذه الأفعال التي تتناقض مع الأخلاق والطبيعة الإنسانية، بالإضافة الى مخالفتها للوظيفة الأساسية لوسائل الإعلام وهي نشر الحقائق لتنوير المجتمع بما يدور حوله.

وزير الإعلام النازي جوزيف غوبلز هو سيد هذه الدعاية والممارسات السيئة كما يوصف دائماً، هذا ما تسوق له وسائل الإعلام الغربية المنبثقة عن الدول المنتصرة في الحربين العالميتين الأولى والثانية، والحديث هنا عن الولايات المتحدة الأميركية التي تريد الصاق جميع الصفات السيئة ابان الحرب بالنازيين، فرغم جرائمهم الفظيعة إلا إن ذلك لا يعني أن الطرف الآخر لم يرتكب جرائمه الخاصة، وربما ارتكب جرائم أكبر من خصمه النازي، فالألمان انهزموا في الحرب ولا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، كما أن أي شخص يدافع عن النازية يُتَّهَمُ بمختلف الاتهامات، ما جعل منهم الضحية والسلة التي توضع فيها الجرائم حتى وإن كانت تُرْتَكَبُ من قبل خصومهم، بينما يحصل خصوم النازيين على عبارات الإشادة والشكر.

من بين الجرائم التي ارتكبتها النازية في المانيا هو ابتكارها للدعاية السياسية سيئة الصيت، والتي تعتمد نشر الأكاذيب والتضليل وخلط الخبر بالرأي واستغلال عواطف الناس من أجل تحقيق أهداف سياسية قد تتعارض مع تطلعات الشعب، وقد اشْتُهِرَ عن الألمان الجملة الشهيرة "اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس"، لكن الحقيقة أن خصوم الألمان لا يقلون شأنا في المجالات التي ذكرناها، مارسوا كل الأعمال الدعائية سيئة السمعة، واستطاعوا تحقيق اختراقات كبرى لعقول وعواطف الشعوب، واستمالتهم خلال الحرب وبعدها.

فالعمل الدعائي الأكبر والأكثر شراسة هو الذي استطاع إقناع الناس أن غوبلز الرجل المهم عند هتلر هو ملك الدعاية السياسية سيئة الصيت، فلم يكن غوبلز ملك الدعاية، ولم يكن أول من ابتكر أساليبها الجديدة، هناك تجارب سبقته بسنوات، ترتبط بلجنة "جورج كريل" التي بدأت عملها في الولايات المتحدة الاميركية عام 1917 وكانت مهمتها الاساسية إقناع الشعب بالقبول بدخول بلاده في الحرب العالمية الأولى، والشعب في حين لم تتولد له الرغبة في الحرب، وأن الرئيس "وودرو ويلسون" انتخب على أساس منع التدخل في الحرب، وإبقاء بلاده بعيدة عن المشاركة العسكرية الخارجية. كانت هذه مهمة عسيرة على "جورج كريل" المكلف بقلب القناعة رأسا على عقب، أي تحويل رأي الشعب الأميركي من رفض الحرب إلى القبول فيها.

ابتكر "جورج كريل" رجل الدعاية آنذاك فكرة لا تخطر على بال أحد، أسس جيشا كبيراً يتكون من 75 ألف شخص عرفوا بـ "رجال الدقائق الأربع" يتجولون في جميع أنحاء الولايات والمدن الأميركية، يلقون خطباً سياسية قصيرة لا تتجاوز أربع دقائق فقط، لشد انتباه السامعين ولتركيز الأفكار على هدف واحد وهو إقناع الشعب بضرورة المشاركة في الحرب.

قام كريل بتجنيد الكتاب والفنانين والموسيقيين والمحترفين في وسائل الإعلام، استطاعوا القاء سبعة ملايين ونصف المليون خطبة قصيرة، وصلت إلى غالبية الشعب الأميركي، وبشكل مبسط وسلسل، وهي تشبه في أيامنا هذه الجيوش الإلكترونية التي تعتمد التغريدات والفيديوهات القصيرة وربما التي تعتمد أسلوب تقطيع أجزاء من الحقائق وتقديمها على أنها الحقيقة الكاملة.

النتيجة أن لجنة كريل نجحت بعد عدة أشهر من تغيير قناعات الشعب الأميركي بشكل لا يصدق، والمقياس هنا موافقته على المشاركة في الحرب، ومن ثم دفع تكاليف تلك الحرب ليقوم بتمويل 58% من تكاليف الحرب بما عرف بـ "صكوك الحرية".

هذا النجاح الهائل يكشف حجم الماكينة الدعائية الأميركية في وقت لم تكن هناك تلفزيونات ولا مواقع للتواصل الاجتماعي، ولم تكن أميركا تسيطر على هذا الكم الهائل من الشركات الإعلامية وشركات الانترنت التي فتحت أبواب العالم على مصراعيها، وبعد ظهور التلفزيون تطورت الدعاية الاميركية لتسيطر على مساحات أوسع خارج الجغرافيا الأميركية واستطاعت تسويق فرضية أن "غوبلز" رجل الدعاية النازية هو رجل الدعاية الأول في العالم، وهو من يستخدم عواطف الناس لاستمالهم في اتجاهات لا تتوافق مع مصالحهم ولا تخدم سوى مصالح السلطة الحاكمة، كما استطاعت إقناع شعوب العالم بان الولايات المتحدة لا تظلم احداً، وهي الراعي الرسمي لحقوق الانسان كما قال ذلك صراحة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن الذي يتحدث عن مسؤولية من السماء ملقاة على عاتق اميركا لإصلاح أوضاع العالم.

هذه الصورة الجميلة تتناقض مع الممارسات الفعلية للولايات المتحدة الأميركية، فهي تحاول حماية جرائمها بجدار من وسائل الإعلام التي تدافع عنها، وجدار من القوانين الضامنة لارتكاب الجرائم مع ضمان عدم تنفيذ العقوبة بحق جنودها، يكفي أن نعرف أن أول ما تقوم به أميركا عند احتلال الدول هو الحصول على حصانة لجنودها من المحاكمة حتى يستطيعوا ارتكاب جرائم الحرب دون عقاب، هذا يكفي ليثبت وجود نوايا مسبقة لارتكاب الجرائم، وقد حدثت الاف الجرائم في دول عدة أبرزها الصومال وأفغانستان والعراق دون حصول محاكمة للمجرمين، وحتى التغطية الإعلامية تكون سطحية وتبريرية لتلك الجرائم، وقد تفلت بعض وسائل الإعلام من قيود الدعاية لكنها تصطدم بالقيود القانونية التي تمنع محاكمة المجرمين وهو ما يسهم في إبقاء الصورة الأميركية ناصعة وجميلة.

ما تزال الدعاية الاميركية هي الأقوى، فهي تستطيع إقناع الشعوب بأن دعايتها ضعيفة وأن دعاية خصومها هي الأقوى، هذا التهرب من المرتبة الأولى في الدعاية ليس من باب إنصاف الخصوم، بل من أجل تشويه سمعتهم، وللتهرب من تهمة التعاطي غير المهني مع الجمهور وطرق التضليل المستخدمة لحرف مسار الواقع.

لم تعد الدعاية الأميركية والدعاية الحليفة لها مقتصرة على جمهورها الداخلي في دولها، بل تعمل اليوم لتشكل رأيا عاماً عالمياً تجاه قضايا لها تأثير على مصائر الشعوب، وأبرزها قضية الشعب الفلسطيني التي استطاعت الدعاية الأميركية ومعها الإسرائيلية من قلب الحقائق رأسا على عقب، وقلبت كل الموازين الإنسانية والفكرية والسياسية والتاريخية، وبعد أن كانت إسرائيل منبوذة لدى الشعوب العربية، نرى كيف يتقاتل الساسة العرب ومعهم جزء من الشعب لمد يد التحالف مع إسرائيل ذلك الكيان الاجرامي المغتصب للأرض الفلسطينية.

استطاعت الدعاية الأميركية والإسرائيلية التلاعب وتضليل الرأي العام عبر تعميم بعض الأخطاء التي ارتكبتها الدول العربية والإسلامية في مقاومة إسرائيل لتعمل على شيطنة أي شخص يقاوم وجود هذا الكيان الغاصب، ومن بعدها عملت على تلميع صورة إسرائيل وإظهارها بصورة الكيان الطيب الذي يحب السلام، وهو كذب وتزوير لحقائق صبرا وشاتيلا ومحمد الدرة ورزان النجار، وجرائم قتل المدنيين وحصار الشعب الفلسطيني في غزة، واحتلال الجولان ومزارع شبعا مضافة إلى دولة فلسطين بكاملها، وحقائق لا تكفي مجلدات لإحصائها.

الاعلام الأميركي الذي استطاع تحقيق اختراق كبير في الشعب الأميركي ودفعه نحو المشاركة في الحرب العالمية باعتبارها تمثل مصلحة أميركا في ذلك الوقت، والإعلام الأميركي استطاع إقناع العالم بأنه (الاعلام الأميركي) لا ينشر إلا الحقائق وإن من يستخدم أسلوب الكذب والتضليل هو خصومهم فقط، واستطاع الإعلام الأميركي اليوم اختراق العقول والعواطف العربية وإقناع نسبة كبيرة بأن إسرائيل كيان محب للسلام، نعم هذا هو الواقع، لقد خسرنا جولة كسب عقول شعوبنا، بسبب القوة الطاغية للدعاية الخارجية ونتيجة لأخطاء الحكام العرب، الإعلام جلعنا نصدق أن الدفاع عن فلسطين يعني معارضة السلام، وكل معارض للسلام فهو متخلف ويجب نفيه خارج المنظومة السياسية والاجتماعية، لقد خلقت الدعاية من الأعداء أصدقاء ومن اخوة الوطن أعداء، إنها صناعة الأصدقاء الأعداء.

اضف تعليق