يتفق اليوم أغلب المختصين بالشأن الاعلامي، أن وسائل الاعلام وبكافة اشكالها من فضائيات وصحف ومواقع الكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي وما توجهه من خطاب اعلامي، اصبحت اليوم هي المتحكم الرئيسي في صناعة الرأي العام الشعبي في أغلب دول العالم، حيث يحتل أهمية بالغة، ويعدّ أحد المرتكزات الأساسية في صناعة القرار والتحكم في آراء الناس وكسب عواطفهم، لذا نجد أغلب الدول المتطورة وكذلك المؤسسات والمكاتب الكبيرة قد أولته أهمية كبيرة وخصصت له ميزانية ضخمة، فأهمية الإعلام في التأثير على الرأي العام هي التي جعلت هذه الدول والمؤسسات تهتم به.

وغرض الإعلام بصورة رئيسية إمّا زرع فكرة ما في عقول الناس، أو إزالة فكرة ما من عقولهم، أو دعم وتعزيز فكرة موجودة أصلاً في المجتمع. الاعلام اليوم هو سلاح فتاك ويطلق عليه "سلاح القرن 21" وخاصة في أزمنة الصراعات والازمات وهو على شاكلتين:

الاول: الاعلام الهادف، فهو غالباً ما يصنع رأياً عاماً واعياً، لا يقبل الخضوع للظلم، ولا تنطلي عليه المكائد والمؤامرات، ويجعل الطريق أمام الفرد والمجتمع واضحاً وجلياً، مما يسهل عليه اختيار ما ينبغي اختياره واجتناب ما ينبغي اجتنابه.

الثاني: الإعلام المغرض فغالباً ما يصنع رأياً عاماً مفككاً ومهزوزاً، نتيجة للأفكار المشوشة وغير الصحيحة التي ينقلها، فإذا تأثر المجتمع بها، وتطبع عليها، فإنه بلا شك سوف يعمّه الجهل والتخلف، وهذا هو هدف الإعلام المغرض بصورة رئيسية ـ صناعة مجتمع متخلف جاهل ـ حتى يسهل إختراقه وتسميم أفكاره.

في الحقيقة هاتين الصورتين تمثل صورة الاعلام من الناحية الاكاديمية والعلمية، ولكن على أرض الواقع نجد الاختلاف كبير وخاصة في نظر المواطن البسيط وحسب تحقيقات عديدة أجريت في الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا نشرتها الجمعية الامريكية لناشري الصحف حول مصداقية الصحف، تؤكد أن معظم الامريكيين والفرنسيين وصلوا الى استنتاج أن الصحافة غير موضوعية وبأن أفراداً أو تنظيمات ذات نفوذ قادرة على حذف الأخبار أو توجيهها كما يريدون، رغم كون هذه البلدان متقدمة جداً في مجال حرية التعبير والديمقراطية نجد مثل هذه النظرة على وسائل الاعلام، والديمقراطية وحدها هي التي تستطيع أن تحقق بقاء الحضارة، ولايمكن أن يكون هناك ديمقراطية دون مواطنين على إطلاع جيد بمجريات الأمور، ولايمكن أن يكون هناك مثل هؤلاء المواطنين دون وسائل إعلام نوعية. وهذه الدول بالأساس تتبنى مبدأ الاعلام الحر ونظام المسؤولية الاجتماعية الذي يكون رقيباً على المؤسسات الحكومية وغير الحكومية حتى.

فكيف بالإعلام العربي اليوم الذي هو نتاج التراكمات من حكومات مستبدة وأنظمة شمولية اشتراكية وقومية، تتحكم بحياة الفرد من صغائر الأمور حتى أكبرها، إن الإعلام العربي الذي يسوغ لنفسه أن ينعت العصابات الارهابية المسلحة بـ"التنظيمات" أو "المجموعات" وعلى رأسها "عصابات داعش" والذي تطلق عليه أغلب وسائل الاعلام اليوم "تنظيم الدولة الاسلامية"، وهو في الحقيقة عصابة دولية تضم مجموعة من المعزولين والمنبوذين إجتماعياً المرضى نفسياً لو صحت العبارة، والمتلقفين فكرة العقيدة المشوهة الشاذة، وبدعم ممول من جهات متطرفة لايمكن تصنيفها على الدين الاسلامي، إنما هو إعلام غوغائي لا يعي أبسط مقومات المهنية الإعلامية التي تحتم عليه إضافة الى نقله المعلومات، مخاطبة العقل العربي والعالمي وفقاً لمناخ ومنطق (الإنسانية)، التي تتطلب توصيف الاشياء بمسمياتها، فمن غير المعقول أن تكون هذه المؤسسات الاعلامية العربية خاصةً حاقدة على الاسلام والمسلمين بهذا الشكل البغيض!!

وبالتالي فان على الإعلام ووسائله المختلفة أن يخاطب العقل العربي بما يمكن أن نسميه منطق الاشياء ومراعاة الجانب الانساني في الصيغة والتسمية والتوصيف. إن تسمية ومصطلح "دولة الخلافة الاسلامية" على سبيل المثال، حتى وإن سوّقته المنابر الإعلامية من فضائيات وصحف ومجلات، ومواقع إلكترونية، لن يمنح هذه المنابر الإعلامية صفة المهنية، ولن يقنع المتلقي العربي بحيادية هذا المنبر الإعلامي، وعندما تتعرض هذه المؤسسات الاعلامية للانتقاد أو سماع الالاف من التعليقات والاشارات بتزييف الحقائق وغض البصر عن آلام ضحايا الارهاب ورؤية الجرائم اليومية التي يرتكبها هؤلاء "المختلون" بحق جميع المواطنين الآمنين في أي بقعة يسيطرون عليها، نجدها على العكس من ذلك مُصرّة في تزييف الحقائق ضاربة بحقوق الانسان وحرية التعبير وحق الدفاع عن النفس عرض الحائط، وفاقدةً لمسؤوليتها الاجتماعية والاخلاقية وقوانين الانضباط المهني!!.

ونتيجةً للتخلف والجهل الفكري الذي يَعُمُّ طبقة كبيرة من المجتمعات في عالم اليوم، وكذلك لاتساع نطاق الإعلام المغرض من قبل بعض المؤسسات العالمية، أصبح بمجرد سماع كلمة «إعلام» يتبادر إلى ذهن الكثيرين الجانب السلبي للإعلام ولكن في الحقيقة، وكما أنّ الإعلام يعد أداة بيد الدول الظالمة والمستبدة في سبيل مصالحهم لتضليل الناس وخداعهم، فإنه كذلك يمكن أن يوظف في سبيل خدمة الناس وتوجيههم.

وهذه هي الرسالة الحقيقة للإعلام التي يجب على القائمين في المؤسسات المعتدلة والحيادية التركيز عليها ومحاربة كل من يُزيف الحقائق عن مواضعها، وفضحه بشتى الوسائل دون الاستسلام والسكينة، وأن لاينجّروا لمحاربة الاعلام الكاذب بنشر الأكاذيب، لأن الصورة ستكون مشوّشة لدى المتلقي ولايمكن إقناع العالم بالحقائق بإتباع نفس الطرق والوسائل. وأيضاً تفعيل القوانين الخاصة بالمؤسسات الاعلامية وتحديد لغة الخطاب الذي يحرّض على العنف ويدعم الارهاب دون المساس طبعاً بأي شكل من الأشكال بحرية نقل الخبر والحصول على الوثائق لأن حرية التعبير تبقى "مقدسة" في عالمنا الحر.

انقر لاضافة تعليق
محمد مصطفى
احسنت الاختيار موضوع مهم جدا الان نمر بازمة اعلانية كبيرة بارسال اخبار غير دقيقة ومصادر غير صحيحة وبث اشاعات بين المجتمع.2015-06-09

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1