"لا ألفينكم يا بني هاشم تخوضون دماء المسلمين تقولون قُتل علي"!
أمير المؤمنين، عليه السلام، في ساعاته الأخيرة

عندما نقول إن المثقف ضمير المجتمع والأمة، لأنه يحمل همومهم وتطلعاتهم وآمالهم في العيش الكريم، وفي الوصول الى الحقائق في الحياة، وأن يكون كما وصفه القرآن الكريم: {يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم}، وقد رأى مفسرون أن الأُصر والأغلال هي العبودية الفكرية، وليس فقط العبودية الاجتماعية.

هذه الخصيصة لم تتحدد في الانبياء والمرسلين، بل وكانت خير مصداق لجهاد خاضه رجال أبطال في التاريخ ضد الطغيان والظلم، وكانوا على يقين من أن مصيرهم الموت حرقاً، أو تقطيعاً، او تذويباً بالزيت الساخن، فلم يزدهم هذا إلا ايماناً بقضيتهم، وأنهم يعملون للنصح والابلاغ حتى الرمق الاخير، غير آسفين على مصيرهم المحتوم.

ومن هؤلاء الابطال الشامخين في التاريخ؛ حبيب النجار الذي قيل أنه انفرد بين من قتل من الانبياء والمصلحين، أنه دعا لمصلحة قومه حياً وميتاً، فخلدته السماء بسورة من غُرر السور القرآنية، وصفها النبي الأكرم بأنها قلب القرآن وهي؛ سورة يس، حيث أعرب عن أسفه – وهو ميت- لعدم وصول ابناء قومه الى الرشاد: {قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ}.

وعلى مر التاريخ نجد كل المضحين بأرواحهم في طريق الإصلاح والتغيير، لم يقدموا دروس الثورة والصمود والتحدي للأجيال فقط، بل وكانوا مبعث خير وسلام وعزّ وكرامة، وهذا يشمل المتفاعل مع قضيتهم، وغير المتفاعل، وربما غير المقتنع بأمر التصدّي للظلم والطغيان، لأنهم كالشمس تشع على مختلف الارجاء بلا تمييز، فتهب النور والحياة للجميع، كما هي نهضة الامام الحسين ضد الانحراف والطغيان الأموي، وما خلفه للأجيال والعالم.

إن المثقف الذي تحدثنا عنه، كان في سالف الزمان؛ حبيب النجار، ومؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه، وهو اليوم بنفس الدور الرسالي، يكون تحت مسمّى الخطيب، والأديب، والعالم، والأكاديمي، والباحث، والإعلامي، كما يمكن ان يكون كاسباً صغيراً في السوق، فاذا كانت حياته سعياً لإحياء الضمائر، ونشر الوعي والقيم، كان مماته باباً لإحياء أفكاره وجهاده بين أوساط الناس.

ولعل من أبرز الامثلة الساطعة على هذه المعادلة؛ وفاة المرجع الديني، السيد محمد الشيرازي في مدينة قم المقدسة عام 2001، فقد واكبت مسيرته العلمية والفكرية، ونشاطاته ومشاريعه الواسعة، صخباً سياسياً، ومنغّصات وتحديات فضيعة ربما لم يجربه أحد من علماء الدين طيلة القرن الماضي، مع ذلك؛ فان مجرد انتشار نبأ وفاته تحولت الساحة السياسية والثقافية الى لوحة متجانسة، وبشكل غير متوقع وغريب، تقدم للرائي كل مفاهيم الحياة والانسجام والاستقرار بين مختلف الاطياف والتوجهات، فقد انضم الى مواكب المعزين؛ اشخاص وجهات وقفت بالضدّ أمام شخصيته العلمية، وأمام فكره، ومشاريعه، وكل ما قام به في حياته.

ولكن في العاصمة طهران، وقبل هذا التاريخ، تعرض أحد أقطاب تيار الإصلاح السياسي لمحاولة اغتيال من معارضين له نجى منها بأعجوبة، فخرجت الصحف الموالية لهذا التيار تمتشق اقلامها، تدعو للويل والثبور لما يمكن ان يؤدي موت هذا السياسي المصلح من فوضى سياسية وعدم استقرار في اوساط الشباب المتحمس لهم، وقد أجريت عملية جراحية معقدة للغاية لهذا السياسي، أبقته على قيد الحياة مشلولاً، ولكنه غادر الحياة الاجتماعية والسياسية نهائياً فلم يعد ذلك الكاتب لعموده المثير صباح كل يوم، ولم يعد ذلك المنظر للإصلاح والتغيير الشامل في النظام الحاكم في ايران، فقد تجاوزه الزمن، كما تجاوزه الناس، وطواه النسيان.

إن الظروف المحيطة بموت المثقف، ثم ردود الفعل، والأصداء الاعلامية، لاسيما في عصر الانترنت وتطبيقات الاتصال المجانية المتطورة عبر العالم، لن تزيد في رصيد هذا المثقف وهو مسجّى، ثم يوارى الثرى في مثواه الاخير، ولن تخلق له صورة جديدة بغير ما كان عليه، كما يفعل بعض المختصين بقراءة الرثاء على الاموات في المقابر عندما يجعلون الميت "الشمعة التي أطفئت"! او "الخيمة التي سقطت"، إلا ما تكون ثمة نوايا في نفوس البعض ممن يحسبون أنفسهم عليه، وأنهم منكوبون بموته او مقتله فيحاولون خلق حياة اجتماعية وسياسية تضعهم تحت الأضواء، وإن كلفت الناس حياتهم واستقرارهم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

12