مقدمة

نظرية العدالة لجون رولز (1971) هي من أهم الأعمال التي كُتبت في الاخلاق والفلسفة السياسية في القرن العشرين. هذه النظرية هي محاولة من جون رولز لصياغة فلسفة للعدالة وبرنامج نظري لبناء هياكل سياسية مصممة للحفاظ على العدالة الاجتماعية والحرية الفردية.

كتب رولز نظريته كرد فعل للنظرية السائدة آنذاك وهي النظرية النفعية، التي تؤكد بان العدالة هي التي تتوفر بها اكبر المكاسب المرغوبة لأكبر عدد من الناس. يفترض رولز وجود شخص نظري مختبئ وراء حجاب من الجهل، يجب ان يصمم مجتمعا عادلا بدون معرفة سابقة بمكانته في ذلك المجتمع.

يعلن رولز بانه انطلاقا من هذه الرؤية الموضوعية التي يسميها (الوضع الأصلي)، فان الفرد سوف يختار نظام للعدالة يوفر ما يكفي لأولئك الذين يقعون في أسفل سلّم المجتمع. الفرد سيقوم بهذا لأنه ربما ينتهي به الامر بمثل هذا الموقف السيء و يريد ان يتوفر له ما يكفي لسد حاجاته. يسير رولز على خطى النظريات المبكرة للفلسفة السياسية. حيث يعرض عقدا اجتماعيا بواسطته يوافق الافراد ضمنيا على القوانين التي يُحكمون بها في أي مجتمع. يستنتج رولز ان مثل هكذا عقد اجتماعي، صيغ من منظور الوضع الأصلي، سوف يضمن مجتمعا عادلا بدون التضحية بسعادة وحرية أي فرد آخر. يعالج رولز قضايا الحرية والمساواة الاجتماعية والديمقراطية وصراع المصالح بين الفرد والمجتمع.

نقد النفعية Utiliterianism

طوال القرن العشرين، كانت النفعية هي النظرية الفلسفية السائدة للسعادة في الغرب. النفعية طُوّرت اولا في القرن التاسع عشر من قبل النفعيين الكبار امثال ديفد هيوم وآدم سمث و جيرمي بنثام وجون ستيوارت مل. تؤكد النفعية اساسا على ان المجتمع العادل هو المجتمع المرتكز على تحقيق أعظم الخير او السعادة لأكبر عدد من الناس. غير ان العديد من المنظّرين وجدوا هذا المبدأ غير مقنع لأنه ينطوي على ان سعادة الأقلية من الناس سيتم التضحية بها من أجل ضمان سعادة الاكثرية.

انتقاد رولز الرئيسي لنظرية المنفعة هي انها لا تميّز بين سعادة اي فرد والمجموع الكلي للسعادة في المجتمع ككل. هو يستنتج: "المنفعة لا تأخذ بشكل جاد الاختلافات بين الافراد".(1)

نقد البداهة Intuitionism

المدرسة الاخرى المهيمنة في النظرية الاخلاقية في القرن العشرين كانت نظرية البداهة، وهي طبقا لرولز ايضا غير مقنعة. البداهة طُوّرت اولا في القرن الثامن عشر، وتؤكد ان الناس يحوزون على احساس فطري بديهي في العدالة والاخلاق. رولز وفي نظريته العدالة كإنصاف يعترف بأن المرء لايمكنه ابدا التحرر كليا من مقدار معين من البداهة. غير انه، يقترح عدة وسائل تجريبية لتقليل درجة البداهة الداخلة في العملية. اساسا، هو يعالج ما يسميه مشكلة الأفضلية، التي بواسطتها تفشل البداهة في تأسيس وسيلة لتقييم الاهمية النسبية لأي مبدأ أخلاقي تجاه الآخر. رولز يقترح كعلاج لمشكلة الافضلية ان مبادئ معينة للعدالة يتم ترتيبها في سلّم وفقا للأهمية، لكي يمكن للأول ان يأخذ أسبقية على الثاني وهكذا.

العدالة كإنصاف

في (نظرية العدالة)، يبدأ رولز بالقول "ان العدالة هي أول فضيلة للمؤسسة الاجتماعية"، يعني ان المجتمع الجيد هو ذلك المجتمع الذي يُبنى طبقا لمبادئ العدالة. يزعم رولز ان النظريات السائدة للعدالة التي برزت في حقل الفلسفة، هي ليست كافية: "الهدف المرشد لي هو ان أعمل نظرية في العدالة تكون بديلا حيويا لتلك المذاهب التي سيطرت طويلا على تقاليدنا الفلسفية". هو يسمّي نظريته التي –تهدف الى صياغة تصوّر للبناء الاساسي للمجتمع طبقا للعدالة الاجتماعية– بـ العدالة كإنصاف. يبدأ رولز بتقرير المبادئ الأساسية للعدالة التي يرتكز عليها المجتمع الجيد. هو يوضح أهمية مبادئ العدالة لغرضين:

اولا، لتوفير طريقة لتعيين الحقوق والواجبات في المؤسسات الأساسية في المجتمع.

ثانيا، لتحديد التوزيع الملائم للفوائد والأعباء في المجتمع. هو يلاحظ ان المجتمعات المنظمة جيدا هي نادرة بسبب حقيقة ان "ما هو عادل وغير عادل هو عادة في خلاف". هو يلاحظ ايضا ان المجتمع العادل والمنظم جيدا يجب ان يُصاغ بطريقة تعالج مشاكل "الفاعلية والتنسيق والاستقرار".

يعتقد التعاقديون ان الحقوق يجب ان تتأسس وفق اتفاق متبادل او عقد اجتماعي بين الأطراف. العقد الاجتماعي هو ليس وثيقة حقيقية متفق عليها، مثل عقد مسؤولية الضرر، وانما هو افتراض نظري. الموضوع هنا هو ليس ماتتفق عليه الاطراف في العقد وانما ما ستتفق عليه في موقف افتراضي. جون رولز طوّر أهم نظام تعاقد اجتماعي للعدالة.

الوضع الأصلي

لكي يصنع نظاما يرتكز عليه المجتمع العادل، يفترض رولز انسانا افتراضيا يضع اختياراته في ظل وجود قناع من الجهل. رولز يتصور انسانا يجب ان يصمم مجتمعا لا يعرف فيه سلفا ما لديه من مكانة اقتصادية او اجتماعية. من منظور هذا القناع من الجهل بمصيره، رولز يجادل بان المرء يمكنه ان يسعى فقط لخلق مجتمع بواسطته تتوفر للأقل حظا وسائل كافية من السعادة طالما قد يجد المرء ذاته بالضبط في ذلك الموقف. يشير رولز لهذا المنظور الافتراضي بالوضع الأصلي. هو يشير الى ان الفرد الافتراضي في الوضع الأصلي يجب ان يكون مفكرا عقلانيا.

المشكلة التي تواجهها أي نظرية تعاقدية هي كيف تجعل الاطراف المتعاقدة تضع أفضليات لتصورات العدالة بطريقة موضوعية و غير منحازة. لهذه الغاية، رولز يجعلنا نتصور الاطراف المتعاقدة تختبئ وراء "حجاب من الجهل"، جُردّوا فيه من أي معرفة بالأشياء الخاصة حول انفسهم. اي ان الاطراف المتعاقدة لايعرفون من أي عرق هم، أي دين، او ما اذا كانوا ولدوا في عائلة فقيرة ام غنية، او مع إعاقة بدنية او ذهنية وهكذا. من ظروف الجهل هذه، تتفق الاطراف على مبادئ العدالة.

الغاية من الوقوف وراء حجاب هي لمنع الافراد من محاولة الحصول على مكاسب غير عادلة لأنفسهم. اذا كنت لا تعرف منْ يملك رأس المال، عندئذ يكون من الصعب معرفة ماذا سيخلق من استحقاق للفرد. وكما يشير رولز.. يبدو من المعقول والمقبول عموما ان لا أحد يجب ان يكون محظوظا او محروما بفعل نصيبه الطبيعي او بفعل الظروف الاجتماعية في اختيار المبادئ.. حيث يتم استبعاد المعرفة بتلك الحالات الطارئة والخاصة التي تضع الناس في شذوذ وتسمح لهم ليسترشدوا بأحكامهم المسبقة.

بهذا الاسلوب، يتم الوصول الى حجاب الجهل بطريقة طبيعية (ص 18-19). حالما تُسلب المعرفة بالحالات الطارئة، فان الافراد المتبقين يسميهم رولز "شخصيات اخلاقية"، افضلياتهم غير متحيزة بمثل هذه الخصوصيات وبالتالي لن تكون لهم سلطة. بكلمة اخرى، في الوضع الاصلي هناك مساواة اخلاقية اساسية بين الافراد. لا فرد ولا افضليات فرد تُعامل كمتفوقة فطريا على اي فرد آخر. بما ان الاطراف المتعاقدة انسلخت كثيرا في تفكيرها، فان رولز يحتاج ان يعطي تلك الاطراف شيئا للتفكير به. لهذا هو يضيف الشروط التالية للإجراء التفاوضي في الوضع الاصلي. الاطراف المتعاقدة تعلم ان "ظروف العدالة" سوف تُطبّق في دولتهم وهكذا هم يحتاجون الى تصوّر عن العدالة. ايضا، هم يعرفون ستكون هناك ندرة في الموارد، لذا سنحتاج الى مبادئ للفصل بقضايا المنافسة على الموارد النادرة.

اخيرا، بينما الاطراف في الوضع الاصلي لا يمتلكون معرفة بالمحتوى المعين لرغباتهم او لتصورهم عن الخير، لكنهم يعرفون حقا شيئا ما عن رغباتهم. هم يعرفون انهم يريدون قدر الامكان ضمان الحصول على ما يسميه رولز "الحريات الرئيسية". هذه الحريات تتضمن الحقوق والحريات والفرص والسلطة واحترام الذات. نستطيع الاستدلال ان كل الاطراف ستكون لها هذه الحقوق لأنها شروط ضرورية لإنجاز اي تصور عن الخير. اي انه، لا يهم كيف ينتهي بنا الامر بعد رفع الحجاب، يجب على المرء ان يمتلك كمية معينة كحد أدنى من الحقوق الاساسية لكي يمكنه ممارسة حياة تعكس تلك القيم. وعندما يضع كل تلك الامور مجتمعة، يعتقد رولز اننا سنصل الى مبدئين اساسيين في العدالة:

مبدئان للعدالة

1- "كل فرد يجب ان يمتلك حقا متساويا بالحرية الواسعة منسجمة مع حرية مشابهة للآخرين"(ص60)

2- "اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية يجب ان تُرتّب لكي تكون اولا، متوقعة بشكل معقول لمصلحة كل فرد وخاصة مصلحة من هم أقل حظا، و ثانيا، ان ترتبط بوظائف ومناصب مفتوحة للجميع"(ص60). وفق هذا المبدأ يعترف رولز بوجود مكان للامساواة الاقتصادية والاجتماعية، باعتبار ان اولئك الذين في أسفل السلّم سينالون على الأقل المساعدة الضرورية.

ان الفكرة الاساسية هنا هي ان الناس يجب ان لا يُحرموا من الحقوق الاساسية او من امكانية متابعتهم لتصوّر الخير بسبب وجود عوامل غير ملائمة اخلاقيا.

يعترف رولز ان الحقيقة الاساسية لظروف الانسان هي ان هناك لامساواة في المواهب الطبيعية. وبدلا من محاولة مساواتها – والتي تتم فقط عبر اسقاط المواهب الطبيعية، يجب ان نحاول استعمال تلك اللامساواة لمنفعة الجميع. هذه الفروقات يجب ان لاتُزال، هناك طريقة اخرى للتعامل معها وهي ان الهيكل الاساسي يمكن ترتيبه لكي تعمل هذه الاختلافات لمصلحة من هم أقل حظا.

لابد من التأكيد على ان المبادئ التي تأتي من هذا الاجراء تعمل كقيود على نظام العدالة ذاته، انها لا تحدد اي نظام معين للعدالة، ولا تحدد بدقة كيفية صياغة قوانين الضرائب، قوانين الأفعال الضارة، قوانين الادارة او القوانين الجنائية وما شابه. ما توفره هذه المبادئ هو نوع من الحماية من الرغبة بديمقراطية الأغلبية او الحكومات اللاديمقراطية. حين يحدد المرء نظام العدالة، يجب ان لايتعارض مع المبادئ الاصلية التي تأتي من الوضع الأصلي.

..................................
الهوامش
(1) هناك انتقادات اخرى للنظرية النفعية تتمثل بالتالي:
أ – انها تميل لخلق شكل للأخلاق اما أسود او ابيض، لا توجد منطقة رمادية، الشيء اما ان يكون صحيحا او خاطئا.
ب – النفعية لا تستطيع التنبؤ بشكل مؤكد حول ما اذا كانت نتائج افعالنا جيدة او سيئة، لأن نتائج الفعل تحدث في المستقل.
ج – النفعية قد تقود الى حسابات مروعة في القيم كالعدالة والحقوق الفردية، مثلا، لو ان مستشفى فيه اربعة مرضى تعتمد حياتهم على زراعة اعضاء بشرية وهي: القلب، الكبد، الكلية، الرئتين. اذا كان هناك شخص سليم في المستشفى ويتم استئصال اعضائه الاربعة، ستكون النتيجة انقاذ حياة الاشخاص الاربعة على حساب حياة الشخص الاخير. هذا يقود الى اكبر خير لأكبر عدد ممكن من الناس، لكنه لا يُعد عملا اخلاقيا.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

13