أكثر من مئة مليون مواطن مصري مهدد بالعطش اذا استمرت حالة التوتر بين جمهورية مصر العربية وإثيوبيا حول سد النهضة الذي اصبح من أسباب الخلافات الحادة التي نشبت بين الطرفين منذ 9 أعوام، حيث انطلاق المفاوضات والنقاشات بين الدول الثلاث التي يهمها ومواطنيها بشكل مباشر وهي مصر والسودان وإثيوبيا.

طاولة النقاش لم تخلو من المتحاورين الذين يسعون بشتى الطرق الى لملمة الامور وتسويتها مع إعطاء كل ذي حق حقه، في ذات الوقت يوجد دور للمجتمع الدولي من اجل الوصول الى نقطة تفاهم مشتركة تجنب الطرفين المعرقلات القائمة، وتساعدهم على المضي نحو شاطئ السلام.

الموارد الطبيعية هي هبة الله للبشرية بصورة عامة ولا يمكن لأي بلد ان يحرم بقية الناس من لاستفادة منها عبر استخدامها في الري والصناعة وغيرها من الاستخدامات، لكن هذه المرة يبدو الأمر مختلف قليلا، فأثيوبيا تريد ان تكون المتحكم الوحيد بمصادر مياه نهر النيل الذي ينبع منها.

وهذا التصرف بالتأكيد مخالف ومناف للقانون الدولي والشريعة التي يذهب اليها المتخاصمون بصورة عامة، فلا يحق لأي بلد يمتلك مصادر المياه ان يتحكم بمصير الشعوب ويقدر كمية منح المياه لهذه الدولة او تلك، نعم للدولة التي تنبع منها المياه حق أكبر كان يكون في نسبة المياه او طريقة تخزينها بالشكل الذي يحافظ على سلامة أمنها المائي.

لكن هذا لا يعني ان تقوم بفرض شروط معينة وتجبر الأطراف الدولية الأخرى القبول بها، فلا يعقل ان تقوم حكومة اديس ابابا بالإملاءات المائية للسد بصورة موحدة دون الرجوع الى حكومات الخرطوم والقاهرة، اذ يعد هذا خرق واضح للمعاهدة الدولية إبان الاحتلال البريطاني لمصر في مطلع القرن المنصرم.

الاتفاقية تنص بان لا يحق لأي طرف ان يتحكم بمصادر مياه نهر النيل دون الرجوع للأطراف المعنية، وكذلك يحق لاحد الأطراف تدويل القضية في حال تعنت طرف آخر وبالفعل فان مصر العربية لجأت للمجتمع الدولي عندما استشعرت ان إثيوبيا تريد الهيمنة على السد والتحكم به بصورة منفردة.

بينما نرى السودان تقف في الوسط تحاول ان تجد مخرجا من هذه الأزمة التي ان اتسعت دائرتها ستكون عواقبها وخيمة على جميع الأطراف.

ان قلة الاطلاقات المائية بالنسبة لمصر يعني كارثة ستحل في القطاع الزراعي، اي سيكون هنالك نقص في مساحة الأراضي الزراعية وبالنتيجة شحة في انتاج المحاصيل ومن ثم نقص بالحاجة المحلية وعدم تلبية السوق الداخلية.

وبالتأكيد فان هذا الأمر سيكون مبعث قلق بالنسبة لحكومة السيسي التي تريد ان تكون فترة حكمها اكثر استقرار وتحقيق اكبر كمية من المكتسبات، لتكون لها شفيع بالبقاء على كرسي الحكم اطول فترة ممكنة، فهي لا تريد الخوض بمنازعات وخصامات هي في غنى عنها.

اذ تعول على مقررات مجلس الأمن الدولي وتأمل ان تصب في مصلحة الأطراف المتنازعة وتعمل على منع الزيت ان يصل الى النار لكي لا تتفاقم الاحداث وتخرج عن السيطرة، كأن يكون تدخل عسكري او ممارسات لا يقبلها العرف الدولي.

فكرة بناء السد كانت من اجل توليد الطاقة الكهربائية والتنمية الصناعية بالنسبة لاثيوبيا، وهذا الأمر مقبول من قبل جميع الأطراف، شريطة ان لا تقابل هذه التنمية خسائر او أضرار جسيمة بالنسبة لبقية الأطراف، وما يحصل في الحال هو كذلك فأثيوبيا لا تبالي بما سيحصل للدول الأخرى طالما هي في المنطقة السليمة.

مشكلة سد النهضة لم تكن هي الوحيدة وقد يتبعها العديد من المشكلات بين الدول، فمنذ سنوات توترت العلاقات الدبلوماسية بين العراق وتركيا بسبب تخفيض الاخيرة الاطلاقات المائية المخصصة له، وتسبب ذلك بازمة كبيرة أشتعلت بها حرب التصريحات وبعد مخاض عسير جدا اتفق الطرفان على صيغة معينة جعلت من الأوضاع تذهب صوب التهدئة.

بصورة عامة تعيش البلدان ازمة حقيقة في مصادر المياه، ما يحتم عليها الاقتصاد وترشيد الاستهلاك لضمان ديمومة الحياة وعدم الاضطرار للطرق الأخرى التي لا تجدي نفعا في ظل تزايد الطلب على المياه لأغراض مختلفة.

ولكي نتخلص من المناحرات والمواجهات المباشرة وغير المباشرة بين الدول، يستحسن ان تكون هنالك ادارة دولية مركزية لمصادر المياه، تقوم هذه الإدارة بتشكيل لجان وظيفتها دراسة احتياج كل دولة بشكل منفرد من المياه مع ضرورة الالتزام بالترشيد وعدم الإسراف.

مع مراعاة حق الدول التي تمتلك منابع المياه وتفضيلها بنسبة معينة، هذا الإجراء في حال تم تطبيقه سيكون الأداة التي تقطع النزعات بين الأطراف وتضمن إنسيابية تدفق المياه بشكل منتظم دون مشاكل او خلافات تذكر، مع أهمية ابعاد الجوانب السياسة عن عملية التوزيع وإعطاء المستحقات.

اضف تعليق