سيطر مسلحو تنظيم "الدولة الإسلامية" داعش يوم 15 مايو 2015 على المجمع الحكومي في الرمادي بمحافظة الأنبار العراقية. وأفادت التقارير أن المسلحين هاجموا المجمع الحكومي الذي يقع وسط الرمادي بثلاث مركبات مفخخة ما أدى إلى انهيار أجزاء من بناية الشؤون داخل المجمع الحكومي الذي يضم قيادة شرطة الأنبار وديوان المحافظة. وقد استطاع تنظيم داعش احراز هذا التقدم بعد اقتحامه مقر اللواء الثامن ومقر قيادة عمليات الأنبار، وانسحاب الغالبية العظمى من القوات الأمنية من المدينة.

ما حدث ويحدث في الانبار لم يكن مفاجأة ابدا مثل اجتياح داعش للموصل في يونيو 2014، وكانت هناك اصوات تحذر من انهيار المحافظة. هذا الانهيار دفع بعض المراقبين القول بأن ماحدث في الانبار عملية مقصودة، تعطي الجماعات الشيعية المسلحة وايران دخول المناطق السنية، رغم ان هذا الرأي لايتماشى مع سياسة رئيس الحكومة العراقية وبات مستبعدا. في هذا السياق قال مسؤول إيراني يوم 19مايو 2015 إن ايران مستعدة لمواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي سيطر على مدينة الرمادي العراقية وإنه واثق من تحرير المدينة. وتسيطر داعش الان مايقارب على 90% من محافظة الانبار. فقد أستطاع التنظيم تعزيز قوته العسكرية على شكل ارتال واسلحة من "ولاية الرقة" السورية الى الانبار عبر مدينة القائم الحدودية.

وفي حديث خاص ادلى به ناشطون تحت اسم "الانبار مدينتي" حصريا الينا، من داخل مدينة الانبار، ذكروا بان مقاتلي داعش اغلبهم من مدينة الانبار، البعض منهم معروفين الى اهالي المنطقة. ويوصف عناصر داعش بطول القامة وضخامة الجسم وخفة الحركة وتصل بعض قياداتهم الى سن الاربعين عاما اما المقاتلون الجنود فهم من فئة الشباب الاقل سنا. واضافت المصادر، بأن حملة مداهمات قام بها التنظيم الى مساكن معروفة لديهم تعود الى عناصر الشرطة والصحوات. وقد بات من الصعب جدا اخراج تنظيم داعش من الانبار، رغم العمليات العسكرية المرتقبة ورغم قتال بعض العشائر ضد هذا التنظيم أبرزها عشيرة الجغايفة وال بو نمر.

القدرة العسكرية والاستخبارية الى داعش

وقال شهود عيان من داخل محافظة الرمادي، إن مسلحي "الدولة الإسلامية" أقاموا حواجز دفاعية وزرعوا ألغاماً بعد استكمال السيطرة على الرمادي وإن مسلحي داعش يفتشون الدور بحثا عن أي مؤيدين للحكومة ويلقون بالجثث في نهر الفرات. وتعد السيطرة على الرمادي أبرز معارك للتنظيم في العراق منذ هجومه في يونيو2014، وباتت الرمادي ثاني مركز محافظة تحت سيطرة تنظيم داعش. إن سيطرة داعش على مقر محافظة الانبار، يعكس قدرة هذا التنظيم العسكرية، وقوة التسلح، بالمعدات والاليات والاسلحة الثقيلة التي يستولي عليها من مخازن ومقرات القوات العراقية في اغلب معاركه. ويستخدم التنظيم هذه العربات بالتمويه واختراق دفاعات الجيش العراقي بعمليات تفخيخ العجلات التي يفترض ان تكون للقوات النظامية.

انتكاسة الانبار كشفت مرة اخرى فشل واشنطن باعادة بناء الجيش العراقي يقابله تدريب جيد الى عناصر تنظيم "الدولة الاسلامية" التي تقوم هجماتها على كتائب الاستطلاع وجمع المعلومات وخلايا فاعلة من داخل الاهداف والمواقع. المجلس العسكري للتنظيم هو المسؤول عن رسم الخطط العسكرية، لكن يبقى هذا التنظيم يقوم على اساس الشراسة الإستخبارية وجمع المعلومات.

إن النسيج الاجتماعي العشائري الى محافظة الانبار ربما يخدم داعش، فرغم وجود غالبية عشائرية تقاتل التنظيم، فهنالك افراد من اهالي الانبار مازالت تحتل مواقع قيادية داخل هيكلية التنظيم. وهذا مايوفر له شبكة معلومات نشطة. ونقل تقرير عن المحلل في معهد "دلما" في ابو ظبي للباحث حسن حسن بإن هناك أشخاصاً يرغبون في العودة وقتال داعش لكن الظرف الحالي يمنع من استفزاز داعش بسبب الإستراتيجية التي اتبعها التنظيم لمنع أية ثورة من الداخل ضده. ويضيف التقرير، أن عملاء داعش يستخدمون التهديدات وعروض المال أو الوقود للفوز بتعهدات من كبار شيوخ العشائر وفي استمالة رجال القبائل الأصغر سنا من خلال الإغراءات الاقتصادية ووعود بمناصب في داخل تنظيم داعش وهو الأمر الذي يقوض السلطة التقليدية لتلك العشائر.

تحضيرات عسكرية عراقية لاستعادة الانبار

وضمن ردود فعل انتكاسة الجيش العراقي في الانبار وصلت يوم 19 يوليو 2015 قوات الحشد الشعبي إلى الأجزاء الشرقية من محافظة الانبار، استعدادا لتحريرها الى جانب القوات النظامية تحت اسم "معركة الأنبار". يذكر ان الادارة الاميركية اعلنت بأنها لا تعارض مشاركة الحشد الشعبي تحت سيطرة الحكومة لاستعادة محافظة الانبار من سيطرة داعش. وأعلنت فصائل عدة أن أفواجا منها باتت موجودة في الأنبار، لاسيما في محيط مدينة الفلوجة الواقعة أيضا تحت سيطرة التنظيم، وفي قاعدة الحبانية العسكرية، استعدادا للمشاركة في أي عملية لمحاولة استعادة الرمادي. وفي هذا السياق قال المتحدث العسكري باسم "كتائب حزب الله"، جعفر الحسيني، إن الكتائب أرسلت ثلاث أفواج إلى الأنبار، وتعتزم إرسال المزيد. وقال المتحدث باسم هيئة الحشد الشعبي كريم النوري، إن "الاستعدادات تتواصل لوضع خطة محكمة لتحرير الأنبار"، عاداً أن "المعركة لن تكون سهلة (..) وأن الهيئة تأخذ بالاعتبار إمكانية وجود مفخخات وانتحاريين وقناصين من تنظيم داعش (..). أما مقاتلو العشائر المتطوعين لقتال داعش، فقد وصل الى ثلاث الاف مقاتل، ويتخذ من قاعدة الحبانية مقرا لهم.

تعتقد "ايلن ليبسون" رئيسة مجموعة "ستيمسون سنتر للدراسات" إن ما يثير أكبر قدر من القلق هو قرب الرمادي من بغداد وكون القوات العراقية عاجزة عن ضمان أمن المحاور المؤدية إلى العاصمة. وبالفعل كان مقاتلي داعش يتحركون من الفلوجة باتجاه الخالدية والكرمة القريبة من مركز العاصمة بغداد.

فرغم تعهدات الحكومة العراقية باستعادة مدينة الانبار، وكذلك تفاؤل واشنطن بذلك تبقى داعش تمثل تحديا للحكومة العراقية. ماحصل ممكن اعتباره معركة استباقية شنتها داعش لتشتيت جهد القوات العراقية النظامية قبل ان تبدأ الاخيرة عملياتها الواسعة لتحرير الانبار من التنظيم. الانتكاسة تشترك بها واشنطن بالإضافة الى اقوات العراقية بسبب تأخرها في عملية تسليح القوات العراقية وتراجع الضربات الجوية للطيران الاميركي في الانبار. التنظيم ممكن ان يصعد محاولاته باستهداف مدينة بغداد او كربلاء بالصواريخ، بعد استيلائه على اسلحة اللواء الثامن من راجمات وصواريخ ومدفعية ممكن من شانها ان تحيد قدرة طيران الجيش والتحالف الدولي.

* باحث في قضايا الارهاب والاستخبار

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
3