مقال كانط "البداية التخمينية للتاريخ الانساني"(1) الذي نشر عام 1786 يُعتبر محاولة لإعادة صياغة قصة الخلق في سفر التكوين. الفعل المنتج للرب (يهوه) هو تعاوني بمعنى اتحاد الارض والسماء. طبقا لسفر التكوين 2:4 فان الخلق هو من عمل الاجيال، لكن خلق كانط يتجسد كفعل مباشر احادي، هذا التفسير يختلف كثيرا عن السلسلة المعقدة من الاحداث المتجسدة في كتاب التكوين والذي ايضا يحتوي على التعددية في الافعال الابداعية وانها جميعها تمت نتيجة التدخل الالهي.

كانط يفضل ان يغير ظروف أصل الخلق، جاعلا من اطروحته مشروعا ثوريا. هو يضع خطة نستطيع بها فقط تحسين قدرنا المعروف في الحياة من خلال الجهود الفردية. ومن جهة اخرى، تسمح القصة الانجيلية لنا بحيازة معظم القدرات الانسانية من اللحظة التي ندخل بها الجنة. ونتيجة للسقوط، يقرر كانط عرض البشرية كحركة تتجه من ظروف القطيع الى ظروف أكثر حضارية.

النوع المبسط للتفسير في سفر التكوين يأخذ شكل فهم انطولوجي للكون، وجود الانسان يصبح مرتبط برمزية الخلق. قصة الخلق لدى كانط هي رفض لهذا المظهر من الثقافة الانجيلية، رغم انه وحسبما يشير ستانلي روسر يوفر لكانط فرصة ملائمة لإعطاء نسخته الخاصة للحدث(2).

القسم الذي اختاره كانط (التكوين 2-6) لا يمكن فصله عن التقليد الاكثر اهمية. كانط تعلّم تكتيكا من اكبر مناوري التكوين، السيد روبت فيلمر، الذي استعمل الفصل الاول من التكوين للدفاع عن الحق الديني للملوك. لكن لوك وسدني وآخرون رفضوا هذا الاستغلال للنص، وعرضوا صيغتهم الخاصة لمختلف الانواع. فيلمر وكانط تبنّيا نفس الخطأ. كُتب التكوين لـ جوشوا، بشكلها الحالي، تشكل قصة هائلة مترابطة. وفي اية حال، يجب على القارئ ان ينتبه الى القصة ككل، والى السياقات التي تنسجم معها كل الاجزاء الانفرادية والتي يمكن الفهم من خلالها.

مشروع كانط يرتكز على تشويه الحدث المجسد للاله، كما جرى فهمه تقليديا. لكي نتجاهل العوامل التاريخية الاكثر اهمية والتي جرى ادخالها كـ "اسباب وسيطة"، يرى كانط ان "ننشئ التفسير التاريخي من التخمينات وحدها"(3). النتيجة من هذا الاتجاه هي فقط عرض "قطعة من قصة"(4). الله يعبر عن نفسه من خلال افعاله وان هذه الافعال ثبت عليها الدليل بمواقف قيل لنا "ان الله عرف" الموقف في الجنة، رغم ان تفسير كانط عن الجنة هو نتيجة لطبيعة سخية بدلا من فعل توليدي لله. التفسير الانجيلي للتكوين يعرض الله كمشارك دائم في التاريخ الانساني محافظا على الرغبة في تحسين قدر الانسانية، حتى وان كان الله لا يأخذ دائما دورا نشطا في هذه الفعاليات.

ان الافعال الموحية التي يسخر منها كانط في "تاريخه" هي امثلة بارزة على استمرار العهد والتي يمكن العثور عليها في التكوين والانجيل العبري. السابق للعهد الانجيلي جرى تجديده واصلاحه في مختلف الفترات طوال الكتاب، الحضور المشترك لله والبشرية في الحوار الذي اختاره كانط للتفسير جرى توسيعه الى حضور مشترك لله وشعبه. كانط والعديد من باحثي الانجيل المعاصرين يجادلون بان بناء وعرض فكرة الخلق هي جزء من عالم كوني يستجيب للمشاكل التي اُجبر على مواجهتها. الناس الكونيون، من هذا المنظور، لايمتلكون الادوات الحديثة للتوضيح وكانوا اجبروا للاعتماد على هذه المفردات. الـ "قصة" عُرضت في الفصلين الاولين من التكوين اللذين هما جزء من شريعة اكبر من التوضيحات للكون. قصة التكوين يجب النظر اليها الى جانب الملحمة البابلية والاعمال الاخرى كتفاسير تحاول انارة الفعل الابداعي. لسوء الحظ، كانط ورجاله من الصف الثاني فشلوا في تقدير حقيقة الحدث، وهو لم ينجح في اعادة ادخال نسخته من التوضيح الرمزي.

كانط يدس حلّه "للصراع الحتمي بين الثقافة والكائنات الانسانية" عندما ينتقد رعاة اقدم وثيقة للعرق الانساني بالاشارة اليها بالجزء القديم للوجود الانساني: "القناعة بالرعاية الالهية"(5). ما يتبع ذلك يأتي للوجود من خلال عملية الطبيعة وحركة يمكن القول هي من الطبيعي الى الاخلاقي. هذا "التبرير للطبيعة" المختلف كثيرا (6) استدعى ان تبتعد الرعاية بشكل كبير عن الفكرة المسيحية للرعاية كعلم مسبق للرب استخدمها بطريقة لحماية شعبه على الارض. استعمال الطبيعة ايضا يأخذ معنى اكثر صرامة متضمنا انه قد يكون تيليلوجي بشكل ما. الرعاية يجب فهمها كدور الطبيعة الكانتي في التاريخ(7).

رغم ان كانط تأثر بروسو، لكنه رفض فلسفة روسو في التاريخ. يرى كانط ان التاريخ هو تحوّل مرتبط مباشرة بـ "المقارن للطبيعة"(8). هو يرى ان الحالة الاصلية للبشرية لا يمكن انكارها، لكنه يقترح انها ليست حالة من الخشونة لأن الطبيعة "اتخذت سلفا خطوات جبارة في الاستخدام الماهر لقواها"(9). كانط يتقدم ليعترف بالحركة من الغريزة الطبيعية وحدها الى حالة جديدة للقوة.

لاحظ كانط ان تطور البشرية كقدر اخلاقي قد يحسّن الصراع بين الثقافة والكائنات.

البشرية بالنسبة لكانط يمكن اعتبارها تتطور نحو غاية صحية: الناس وحدهم قادرون للتحرك الى ما وراء الحالة البهيمية للوجود الى حياة اكثر انسانية. لكن الانسانية تواجه على الاقل ثلاثة انواع مختلفة من اللاقناعة المرتبطة بهذه الحرية الجديدة. النضج الطبيعي يسبق النضج المدني. اذا كان الشخص الشاب قد يحوز على القدرة البدنية للانجاب وتربية عائلة، هو مع ذلك لا يمتلك المؤهلات "المدنية" لعشر سنوات اخرى، طبقا لكانط. هذا يصبح اقل حدة مع تطور الانسان الى كائن اخلاقي، ولكن ستكون هناك فترة متقطعة من الشقاء. كانط يستخدم قيود العمر كمانع للبشرية من تحقيق امكاناتها الاخلاقية. هذا تتبعه مشاكل عدم المساواة الانسانية وفرض "الحقوق المدنية" كحل للمشكلة (10). ولكن مع وجود هذه العيوب، يستطيع كانط الآن اعطاء فروقات ضرورية لجعل اتجاهه متماسكا.

الحل سيكون اكثر تعقيدا عندما يصبح اساس التعليم الاخلاقي والثقافة غير قادرين على انجاز دورهما في المجتمع. الثقافة، في السياق الكانطي، يجب فهمها ليس كسعي جمالي نحو الخير والحقيقة والجمال، وانما كأساس شمولي للتحسين الاخلاقي لكل الناس. الثقافة يمكنها تزويد الانسان بالحرية لو انها تجاوزت الطبيعة. الثقافة غير قادرة على تغيير الحاجات الاصلية للبشرية لأن نجاحها مقيد بالرغبات المصنوعة الناتجة عن استخدام البشرية للعقل. في ضوء ما تقدّم، نحن لدينا شكل ما من المجتمع المدني، متأسس على صناعة قرار مستقل "متجنبا اي سلطة خارجية على الرغبة" وهو يشبه جموحنا نحو الايمان المفرط بالعقل كمرشد للحياة الاخلاقية.

ان إعادة قراءة كانط للتكوين قد يُنظر اليها كعملية خطرة من جانب الاديان والسلطات الاخرى؟ لكن بالنسبة لكانط يرى الخطورة في قراءة التكوين بطريقة تشجع على عدم القناعة بالرعاية الالهية. ان قراءة كانط هي ربما اكثر ايجابية مما يتصور البعض وذلك لعدة اسباب:

1- ان الكائنات البشرية تتقدم تدريجيا نحو التنوير

2- التقدم يحدث جزئيا من خلال الصراع ممهدا الطريق للحرية وبما يقودنا لتطوير عقولنا والعيش مع بعضنا بشكل افضل.

3- لا يجب ان نحزن على فقدان العصر الذهبي للراحة والسلام قبل السقوط لأننا لم يكن بامكاننا البقاء هناك طويلا بما يكفي للانسانية.

4- ان السقوط هو حقا خطوة ضمن تقدمنا الشامل نحو حالة افضل.

5- قراءة كانط تعني ان التاريخ يسير من الاسوأ الى الافضل وببطء ونحن نستطيع تحريكه عبر تحرير عقولنا.

* مقال (كانط حول التاريخ والثقافة كوسائل للتطور الاخلاقي) للكاتب LEE CHEEK، نُشر في مجلة The imaginative conservative في سبتمر 2013.

....................................
الهوامش
(1) عمانوئيل كانط "البداية التخمينية للتاريخ الانساني"، trans-Emil fackenheim, in Immanuel Kant on history.
(2) ستانلي روسن، الهيرمونطيقا كسياسة (نيويورك:مطبوعات جامعة اكسفورد)، 1987، ص31.
(3) كانط، ص53.
(4) المصدر نفسه
(5) كانط ص 68
(6) كانط ص 25
(7) هنا فكرة كانط عن التاريخ ايضا تحتوي على عنصر الرعاية.
(8) كانط ص 53-54
(9) نفس المصدر السابق
(10) نفس المصدر ص 62.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2