لم يعد الحديث عن المواجهة الإقليمية في العراق يقتصر على خط التواصل البري بين اطراف الحلف الإيراني السوري وحزب الله، ولم تعد الأرض وحدها مجالاً للصدام بين طرف يسيطر على مساحات شاسعة، وطرف اخر يسيطر على الجو وعلى السياسة الدولية وقراراتها العقابية.

لم تعد الولايات المتحدة وايران وحدهما في المعركة، فهناك اطراف أخرى لا تقل شأناً وخطورة، والصراع الذي بدأ بالوكالة ادخل ايران في قلب المواجهة، ونفس الشيء نجده مع إسرائيل التي تصرح علنيا عن أهدافها في بلاد الرافدين، وما يبدو على الساحة من تعدد في أطرافها، هو انعكاس لقوة طرف وضعفه في آن واحد، طرف لديه تفوق في مجال معين، مقابل تفوق لطرف اخر في مجال مختلف، ما جعل مجالات القوة والضعف تنقسم الى ثلاثة مسارات:

المسار الأول: على الأرض تسيطر ايران وحلفائها بشكل شبه محكم، او على الأقل يسيطرون على مساحات كبيرة، اكثر من أي طرف اخر، مستفيدين من قربهم الجغرافي، وما يتيحه من تواصل بري مع العراق، فضلا عن وجود صلات اجتماعية ودينية وتاريخية انعكست على شكل تحالفات وثيقة.

المسار الثاني: لكن تلك السيطرة الأرضية لم تترجم على شكل سيطرة مطلقة، اذ ايران تفتقد للسيطرة الجوية التي تعد اليوم احدى اهم اركان تحقيق النفوذ، فلا حماية للقطعات العسكرية المتواجدة على الأرض من دون سلاح جوي يحيمها، ولا أهمية لقوية برية بدون ذراع جوية تمارس دور الهجوم أيضا على العدو في عقر داره، والا تحولت السيطرة الأرضية الى عنصر ضعف ومكان مكشوف للاعداء.

المسار الثالث: السيطرة السياسية والقانونية، وهنا يبدأ الاشتباك الحقيقي، اذ لا توجد سيطرية فعلية لاي طرف على اخر، والساحة تدور في شد وجذب، صعوداً ونزولاً، تفرغ في يوم لاحد الأطراف، لينهزم فيها بعد مدة معينة، وتعود اليه، وحتى الطرف المنتصر فيها لا يأمن على نفسه، لان الاخر لديه من الأوراق ما يجعل من انتصار الأول مصيبة عليه، يمكن لحلفاء ايران في العراق ان يشرعوا قوانين ضد الولايات المتحدة، لكن هذه الأخيرة يمكنها فرض عقوبات قاسية عليهم.

خذ على سبيل المثال، سيطرة حلفاء ايران على جزء كبير من السياسة العراقية، والمجال التشريعي أيضا، يمكنهم اتخاذ قرارات تغير قواعد اللعبة ضد الولايات المتحدة الامريكية، لكنهم لا يفعلون ذلك دائما، خوفا من العواقب الوخيمة عليهم وبالتالي على ايران نفسها، وفي سياق سيطرتهم السياسية والتشريعية تدور اليوم احاديث بين حلفاء ايران في البرلمان العراقي عن مبادرة لتشريع قانون يلزم الحكومة بالرد على الاعتداءات الإسرائيلية على معسكرات الحشد الشعبي، والتي وصلت الى 12 اعتداء بحسب بيانات حكومية، لكن التشريع المراد الزام الحكومة به بشراء منظومات دفاع جوي لصد الاعتداءات الإسرائيلية لا تسير بالاتجاه المطلوب رغم وجود عدد كبير من النواب المقربين من ايران داخل البرلمان العراقي، او على الأقل النواب الناقمين على الاعتداءات الإسرائيلية.

لماذا لا تجتمع كلمة هؤلاء حول هذا التشريع الجديد؟

الجواب يأتي دائما من العقوبات الامريكية القاسية ضد الشخصيات السياسية العراقية، ما يحرمها من امتيازات كثيرة، ويقلص من نفوذها السياسي الى حد كبير، ويجعل وصولها الى النظام المصرفي العالمي صعباً، وهنا لا يمكن لاي سياسي في العالم ان يقبل بهذا الوضع الخطير، لذلك لا يُقدم الا القليل من النواب الذين يعرفون ان مستقبلهم لا يتعلق بهذه الامتيازات، ويعرفون ان حياتهم السياسية ترتبط في مكان اخر غير المصارف العالمية، وهم قلة في البرلمان العراقي.

المعركة الحقيقية اذن ليست على الأرض، فهي تحت سيطرة ايران بحكم الامر الواقع، والقواعد العسكرية الامريكية شبه محاصرة، لكن ذلك الحصار يقابله تفوق جوي امريكي مطلق، ما يوازن الكفة بين الطرفين، وهنا لا يريد احدها ان يفقد مجال تفوقه، وهو يعرف قيمة كل طرف، لا ايران تقبل باغلاق طريقها البري الى سوريا عبر العراق، ولا الولايات المتحدة تقبل باضعاف ولو جزء بسيط من تفقوها الجوي في العراق.

من هنا يمكن وصف محاولات شراء المنظومات الجوية العراقية منعطفاً كبيراً فاذا حدث ذلك، يعني بداية النهاية للوجود الأمريكي في العراق، رغم ان ذلك مستبعد بحكم تعقيدات شراء هذه المنظومة، ولنتذكر فقط ان اهم عامل ساعد في اخراج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان هي الصواريخ المضادة للطائرات التي أرسلتها الولايات المتحدة للحركات المسلحة الأفغانية، فهل تستطيع ايران تزويد حلفائها في العراق بالصواريخ المضادة للطائرات، ومن ثم محاصرة الولايات المتحدة فعليها في هذا البلد، وتساهم عمليا في إخراجها من العراق بشكل نهائي؟

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0