التداول الحقيقي للسلطة يحتاج إلى وضوح في مصدر الشرعية، ووضوح في هوية الحاكم، ووضوح في المسؤولية، وهذا لا يتحقق إلا إذا كان الناخب قادرًا على معرفة من سيحكم بناءً على صوته، وقادرًا على معاقبته في الدورة التالية إذا فشل، أما في النظام القائم فإن المسؤولية تذوب داخل شبكة التوافق...
منذ تأسيس النظام السياسي بعد 2003، دخلت الحياة الدستورية في العراق مسارًا يقوم على هاجس منع عودة الاستبداد أكثر مما يقوم على بناء دولة قادرة على الحكم الفعّال، فكان الهمّ الأول هو توزيع السلطة لا تنظيم حركتها، وتقاسمها لا تمكينها من الإنجاز، وتفكيكها لا تركيزها في مؤسسات خاضعة للمساءلة، وبهذا التوجه التأسيسي نشأ نظام يبدو في شكله برلمانيًا، لكنه في جوهره نظام توافقي محاصصي لا ينتج أكثرية حاكمة ولا معارضة منتظِرة، بل ينتج سلطة موزعة على أطراف متنازعة داخل الحكومة نفسها، فتتحول الانتخابات من وسيلة لتغيير الحكم إلى آلية لإعادة توزيع الحصص داخله.
جوهر الخلل أن التداول الحقيقي للسلطة يفترض وجود دورة سياسية واضحة: انتخابات تفرز أغلبية تحكم وأقلية تعارض، حكومة تُحاسَب، وإذا فشلت تُستبدَل في الانتخابات التالية، غير أن الآلية القائمة تجعل الجميع شركاء في السلطة، فلا توجد معارضة حقيقية تنتظر دورها، ولا توجد أكثرية تتحمل المسؤولية كاملة، وبالتالي تضيع المحاسبة، لأن المسؤولية موزعة، وتضيع القدرة على التغيير، لأن الخاسر لا يخرج من السلطة فعلاً، بل يعاد إدخاله عبر التوافق، وهكذا يصبح التداول شكليًا، بينما تبقى البنية الحاكمة ذاتها.
انتخاب رئيس الجمهورية داخل البرلمان وفق نصاب معقد حوّل المنصب، الذي يفترض أن يكون تحكيميًا ورمزيًا، إلى عقدة سياسية كبرى، فبدل أن يكون انتخابه خطوة إجرائية سريعة، صار ساحة صراع تؤخر تشكيل الحكومة وتفتح أزمات دستورية، ومع أن رئيس الجمهورية في النظام البرلماني ليس مركز السلطة التنفيذية، فإن طريقة انتخابه الحالية تمنحه وزنًا سياسيًا معطِّلًا يتجاوز طبيعته الدستورية، فيتحول المنصب الصغير نسبيًا إلى مفتاح تعطيل الدولة.
أما مفهوم “الكتلة الأكثر عددًا” فقد صيغ بمرونة مقصودة لتسهيل التوافق، لكنه فتح الباب لتفسيرات متضاربة، فأصبحت الكتلة الأكبر تُصنَع بعد الانتخابات لا داخل صناديق الاقتراع، وتُحدَّد بالمفاوضات لا بإرادة الناخبين، وبذلك انفصلت نتيجة الانتخابات عن نتيجة الحكم، فالناخب يصوّت ولا يعرف من سيحكم، لأن السلطة تتشكل لاحقًا في غرف التفاوض، لا في مراكز الاقتراع، وهنا يتآكل المعنى الجوهري للديمقراطية بوصفها آلية لاختيار الحاكم ومحاسبته.
النتيجة العملية أن النظام نجح في منع احتكار السلطة من طرف واحد، لكنه في الوقت نفسه منع تشكّل سلطة قادرة على القرار، فالحكومة تولد ضعيفة لأنها نتيجة تسويات، وتبقى ضعيفة لأنها خاضعة لتوازنات داخلها، ولا تسقط بآلية سياسية طبيعية بل بأزمات، ولا تتغير جذريًا بعد الانتخابات بل يعاد تدويرها بوجوه أو تحالفات مختلفة، وهكذا تتحول الدولة إلى مساحة إدارة صراعات بين الشركاء بدل أن تكون أداة إدارة شؤون المجتمع.
التداول الحقيقي للسلطة يحتاج إلى وضوح في مصدر الشرعية، ووضوح في هوية الحاكم، ووضوح في المسؤولية، وهذا لا يتحقق إلا إذا كان الناخب قادرًا على معرفة من سيحكم بناءً على صوته، وقادرًا على معاقبته في الدورة التالية إذا فشل، أما في النظام القائم فإن المسؤولية تذوب داخل شبكة التوافق، فلا يمكن تحديد من يُحاسَب، لأن الجميع في الحكم والجميع في الوقت نفسه يشكون من الحكم.
من هنا يبرز الحل الجذري القائم على إعادة بناء آلية إنتاج السلطة نفسها لا مجرد تعديل إجراءاتها، وذلك عبر ثلاثة مرتكزات مترابطة:
أولًا: انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب، وبذلك يكتسب المنصب شرعية وطنية عامة لا تستند إلى صفقات برلمانية، ويتحول إلى رمز للوحدة الوطنية فوق الانقسامات، وتُرفع عنه صفة العقدة التفاوضية داخل البرلمان، فيُنتخب في موعده ولا يُستخدم كورقة ضغط في صراعات تشكيل الحكومة،
وثانيًا: أن يتولى رئاسة الوزراء رئيس الحزب أو الكتلة الفائزة في الانتخابات، أي أن ترتبط السلطة التنفيذية مباشرة بنتيجة الصناديق لا بنتيجة المساومات اللاحقة، فيعرف الناخب أن صوته سيقود إلى حكومة محددة ببرنامج محدد،
وثالثًا: تعريف الفوز بأنه الحصول على الأغلبية المطلقة لمقاعد البرلمان (50+1)، بحيث لا يُعدّ أي حزب أو كتلة فائزًا إذا لم يحقق هذه النسبة، وبذلك يُدفع النظام الحزبي نحو الاندماج في كتل وطنية عابرة للانقسامات الضيقة، بدل التشتت الذي يغذي المحاصصة.
هذه الصيغة تنقل النظام من منطق “الجميع يحكم فلا أحد يُحاسَب” إلى منطق “أغلبية تحكم وأقلية تعارض”، فتتشكل حكومة قوية بقدر ما هي مسؤولة، وتتشكل معارضة واضحة تراقب وتنتظر، وتصبح الانتخابات لحظة حقيقية لتغيير السلطة لا مجرد محطة لإعادة توزيعها، وبهذا فقط يتحقق المعنى الفعلي لتداول السلطة، لا بوصفه شعارًا دستوريًا، بل بوصفه آلية عمل تُنتج الاستقرار، وتمنح الدولة قدرة على القرار، وتعيد للناخب ثقته بأن صوته يغيّر الحكم فعلًا لا شكل السلطة فقط.



اضف تعليق