منذ انسحاب الولايات المتحدة من الإتفاق النووي الإيراني، تبع ذلك تصعيد لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطها تجاه إيران، ومنذ ثلاثة أشهر تزايدت تلك الضغوط بدءً من وضع عقوبات مالية على القطاع الاقتصادي الإيراني وتجميد الأموال والأرصدة لقادتها وساستها مرورا بمعاقبة الفاعلين الدوليين اقتصاديا معها، وإنتهاءً بمنع تصدير وشراء نفطها مما سبب انهيارا لعملتها، ولتسبب هذه العقوبات انعكاسات جيوسياسية في منطقة الخليج ومياهها.

إلا أن إيران لها بدائلها وخياراتها لمواجهة هذه العقوبات والتحديات، فموقعها ومساحتها وقدراتها ونفوذها الإقليمي في بعض دول المنطقة يسمح لها بالمناورة، فلجوئها إلى حرب الناقلات في خليج عمان وتهديدها الملاحة الدولية في منطقة أعالي البحار كما تسمى دوليا وآخرها احتجاز ناقلة بريطانية كجزء من سياسة الرد على احتجاز ناقلة نفط إيرانية متجهة إلى سوريا، مضافا إلى ما يمكن أن تلعبه إيران في الأزمة السورية واليمنية، إضافة إلى تهديد المصالح الأمريكية في العراق ولبنان والملف الفلسطيني، وخيارات أخرى عديدة.. لتقويض جزء من هذه العقوبات.

نهج التصدي الإيراني لتلك العقوبات عضده إلى حدٍ ما الموقف الأوروبي الراغب بعدم الانسحاب من الإتفاق النووي والإبقاء عليه، حيث تسعى الدول الأوروبية إلى الحفاظ على هذا الاتفاق النووي. إذ سعت أوروبا عبر فرنسا اجتراح وساطة صعبة من أجل وقف وإحتواء التصعيد في منطقة الخليج التي قد تشهد توترا عسكريا محتملا، وطرح خيارات لتجميد البرنامج النووي الإيراني وفق خطة العمل المشتركة لوضع هذا البرنامج تحت السيطرة الدولية في مقابل إعادة دمج إيران في الاقتصاد العالمي.

وبعد أن تصاعدت المواجهات بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإيران والمعطيات التي أوردناها، تيقن ترامب أن الاستمرار في إتباع سياسات الضغط والحصار على إيران وقادتها والدول المتعاطفة معها لن يجدٍ نفعا خاصة أن رد إيران تجاه سياسة أقصى قدر من الضغوط كان أقصى قدر من المقاومة.

ولهذا شهدت الولايات المتحدة معركة سياسية داخلية حول جدوى العقوبات ومردودات الانسحاب من الاتفاق النووي إذ من المتوقع أن تعلن إدارة ترامب مضطرة في وقت لاحق، عن تخليها عن بعض العقوبات المختلفة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، مع المحافظة على جزء أساسي وضروري من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام ٢٠١٥ في عهد الرئيس باراك أوباما. هذا القرار سيثير إزعاج الجناح الصقوري في أمريكا المتشدد ضد إيران، لكنه سيكون موضع ترحيب وقبول من بعض الديمقراطيين إضافة إلى ترحيب من قبل روسيا والصين وحلفاء أمريكا الأوروبيين والقادة الإيرانيين، إذ ترمز قضية التصعيد والضغط المتواصل ضد إيران إلى التوتر والتباين بالمواقف داخل الإدارة الأمريكية.

ففي اجتماع بالبيت الأبيض قبل أيام أيد الرئيس ترامب توجهات وزير الخزانة ستيفن منوشين الذي اقترح على الإدارة بأن توافق على تجديد آخر لإعفاءات العقوبات المتعلقة بخمسة أجزاء منفصلة من البرنامج النووي الإيراني. ولكن اقتراح ستيفن منوشين لاقى اعتراضات من وزير الخارجية مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي جون بولتون، وذلك حسب ما ذكره مسؤولين بالإدارة. لكن مايك بومبيو، وهو المعني الرئيس والمسؤول في هذه القضية، بالنهاية سيؤيد أي قرار يتخذه ترامب تجاه إيران ولا يريد أن يكون كسابقه تيلرسون في معارضة قضايا جوهرية يتخذها ترامب، والمرجح أن الأخير سيعلن عن تجديد تلك الإعفاءات في وقت لاحق من الأيام القادمة.

وقد يمثل تراجع سياسة أقصى ضغط التي يتبعها ترامب تجاه إيران تنازلا غير متوقع وغير منطقي يؤشر حالة ارتباك وضعف في إدارته، لكن استمرار منهج التصعيد في ظل عدم تحقيق نتائج ملموسة ضد إيران فإن الإدارة الأمريكية ستضطر إلى استمرار معاقبة كبرى الشركات الروسية والصينية والأوروبية التي لا زالت تتشارك في مشاريع داخل إيران تم تفعيلها كجزء من الاتفاق النووي عام 2015.

رغم أن ترامب غرد وفي وقت سابق من هذا الشهر، إلى أنه لن يمدد الإعفاءات المتعلقة بالبرنامج النووي، وذلك في معرض رده على تويتر على أخبار تفيد بأن إيران تجاوزت مستويات تخصيب اليورانيوم المتفق عليها بموجب الاتفاق النووي، وقال: "سيتم زيادة العقوبات قريباً، وبشكل كبير".

لكن من جانب آخر، أخبر وزير الخزانة منوشين ترامب أنه في حال عدم تعليق بنود بعض العقوبات مرة أخرى بحلول شهر أغسطس، سيتعين على وزارة الخزانة المزيد من الوقت لإزالة الآثار الجانبية لهذه العقوبات، ناهيك عن أضرار اقتصادية وسياسية تنعكس على الولايات المتحدة وتضر بالحلفاء، ومع ذلك، من المرجح أن تلجأ الإدارة الأمريكية لرفع بعض هذه العقوبات المحددة لأنها تمتلك خيارا لإرجاعها في أي وقت حينما تستدعي التطورات مع إيران فبالإمكان إلغاء هذه الإعفاءات، ولكن الآن المخاوف المترتبة على عدم تمديد الإعفاءات بالنسبة للإدارة تدفع بخلاف ذلك.

وسبق لوزارة الخارجية أن قامت بتجديد الإعفاءات في شهر مايو المنصرم لثلاثة أشهر، رغم عدم تجديدها لعقوبتين أخريين تتعلق بمشاريع التخصيب النووي، وتجديد الإعفاء المرتقب الذي سيتم الإعلان عنه سيعطي إيران وأوروبا وروسيا والصين حصانة الاستمرار بمشاريعها لمدة 90 يوماً اضافية. وسيبقى الحظر قائما على استيراد النفط الإيراني والذي فرضت عقوباته في شهر أبريل الماضي، ألغت إدارة ترامب جميع الإعفاءات بالنسبة لكل واردات النفط الإيراني، وهي الخطوة التي أسهمت في شل الاقتصاد الإيراني وولدت ردة فعل إيرانية قوية.

سياسة الرئيس ترامب تجاه إيران ولدت توترا داخل الإدارة وداخل المشرعين أيضا وانشطروا بين جزء يريد الحفاظ على عناصر من الإتفاق النووي مع إيران النووي وتوظيفه كإطار للمفاوضات والحلول الدبلوماسية، وبين هؤلاء الذين يرون أنه اتفاق معيب بشكل قاتل، وأنه يتيح ويقدم لإيران فرصا لصنع قنبلة نووية، وأن هدف الاستمرار بممارسة سياسة أقصى الضغوط يمنع ذلك، وهذه الإعفاءات النووية لا معنى ولا مبرر لها على الإطلاق، وهي بالتأكيد غير منطقية في سياق مواجهة إيران وسياساتها.

وقبل أيام قام 50 مشرعا أميركيا، بقيادة النائبة من الحزب الجمهوري ليز تشيني، بإرسال خطاب إلى ترامب يحثه على إلغاء الإعفاءات المتعلقة بالعقوبات النووية الإيرانية إلى الأبد، مبررين ذلك بأن هذه الإعفاءات تضفي وتعطي الشرعية على البنى التحتية للبرنامج النووي غير المشروع لإيران ومالها من أضرار على المستوى الدولي من جانب، ومن جانب آخر تضفي نجاحا يحسب للرئيس السابق أوباما وعهده، ويقوض من حظوظ ترامب الانتخابية.

ولهذا يبدو أن الجناح المتشدد ضد إيران يتزايد داخل الولايات المتحدة ويعتقدون أن حملة ترامب بممارسة سياسة أقصى الضغوط ناجحة ولابد من إكمالها ويتعين عليه تجديد وتوسيع العقوبات الأميركية والدولية على إيران وبرنامجها النووي، لأنها ستجبر إيران لتتخلى عن طموحاتها النووية وتقلص من دعمها للتطرف ورعاية الجماعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط.

لكن هذا الجناح يصطدم بالواقعية الترامبية الذي لا يهمه نتائج هذه العقوبات التي تحدث عنها هؤلاء المشرعون وحتى مايك بومبيو الذي وضع ١٢ خطوة لتكون إيران دولة طبيعية، فترامب لجأ لسياسة أقصى الضغوط لإجبار النظام الإيراني على العودة إلى طاولة المفاوضات، والموافقة على إبرام اتفاق أفضل من الإتفاق الذي تفاوض عليه الرئيس أوباما لا أكثر، ويكون جزء من هذا الاتفاق هو صفقة القرن أو الحصول على ضمانات لحماية أمن إسرائيل ليس إلا، في قبالة ذلك ستتزايد المخاوف الخليجية وتضطر لتوثيق علاقتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتعود المصالح المستحصلة للطرفين، ولكن في ظل المعطيات الحالية سواء كانت الدولية أو الإقليمية وحتى داخل الولايات المتحدة من قرب الانتخابات، فليس من المتوقع أن تحدث أي من هذه الأمور قريباً، فلا تجديد الإعفاءات عن العقوبات ضد إيران سيحقق هذه النظرية ولا الاستمرار بحملة أقصى الضغوط كذلك.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2019Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2