مقدمة تاريخية:

من الطبيعي القول: أن الشيعة في اللغة، تعني الأتباع والأعوان، وهي من المشايعة أي المتابعة.. وفي الاصطلاح تعني من تولى عليا وبنيه، وأقرّ بإمامتهم.

ومفردة الشيعة، بمعنى حب علي وآله وموالاتهما، قديمة كالإسلام، واللفظة لها مسمى من فجر الدعوة، ولن نتوقف عند إثبات هذه الحقيقة، فالزمخشري وابن حجر والدار قطني والديلمي والسيوطي وابن الأثير وكثير غيرهم أخرجوا عشرات الأحاديث المسندة والمصححة والمثبتة أن لفظة الشيعة، كان لها مسمى، منذ فجر الإسلام..

وقد ذهب كرد علي في كتابه (خطط الشام) (الجزء الخامس ص 251-256). إلى القول أن جماعة من كبار الصحابة عرفوا بموالاة علي في عصر رسول الله (ص) مثل سلمان الفارسي القائل: بايعنا رسول الله، على النصح للمسلمين، والائتمام بعلي بن أبي طالب، والموالاة له. ومثل أبي سعيد الخدري الذي يقول: أمر الناس بخمس، فعملوا بأربع وتركوا واحدة، ولما سئل في الأربع، والواحدة المتروكة، قال: الصلاة والزكاة، وصوم شهر رمضان، والحج، وأما الواحدة التي تركوها، فهي ولاية علي.. ومثل أبي ذر وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت، وأبي أيوب الأنصاري وخالد بن سعيد بن العاص وقيس بن سعد ابن عبادة..

وقد رد (كرد علي)، في خططه قول من قال أن عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء، هو الذي ابتدع هذا المذهب، بقوله هذا وهم، وقلة معرفة، والذي يعلم طعن علماء الشيعة، بلا خلاف في هذا الرجل، وبراءتهم من أقواله وأعماله، يعلم مبلغ ذلك القول من الصواب.. والثابت في المنظور والرؤية الشيعية الأمامية، أن سلطة تنظيم المجتمع أمر موكول بالنبي الأكرم (ص). وهذه السلطة النبوية مستمدة من قوله تعالى [النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم] وزاد القرآن في بهاء الإيضاح بآية [ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا]. وإن لفظة (المولى) التي أطلق الرسول (ص) بقوله: من كنت مولاه فعلي مولاه، تعني وليه في الدين والعقيدة.. لقوله تعالى [بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم]..

فالولاية سلطة إلهية لتنفيذ الشريعة، ولتطبيق الإسلام على المجتمع، سلطة لا تعطى إلا للرسول صاحب الرسالة، أو إلى من تحول إلى فكرته، وذاب في ذاته، حتى عد استمرارا له.. فكمال الرسالة بإمامة علي. فالإمامة استمرار للنبوة. هي الطريق إلى استمرار الإسلام، بل الباب إليه.. أوليس رسول الله (ص) هو القائل [أنا مدينة العلم وعلي بابها]. فالولاية باب الإسلام وجوهره العميق وورد على لسان النبي (ص) (أنا وأهل بيتي شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا، فمن تمسك بها اتخذ إلى ربه سبيلا)..

أسوق هذه الرؤية التاريخية لكي أصل إلى مسألة أساسية مرتبطة بحاضر ومستقبل مدرسة أهل البيت (ع) وهي: أن عصر طمس الحقائق بسبب التحامل السياسي أو الانزواء والهروب إلى الماضي بفعل الأزمات والتحديات قد ولى وقد انطم في مقبرة التاريخ. وقد آن للشيعة أن يدركوا أن اللحظة التاريخية التي يعيشونها تتطلب العمل في كل المجالات لنيل حقوقهم ورفع ظلاماتهم التاريخية. وإنه لا انزواء بعد اليوم، وإن التشيع في جوهره وحقيقته الناصعة هو حروف الأبجدية في الإسلام، من لا يعرف أن يقرأها، لا يعرف كيف يقرأ كتاب الله عز وجل.

ليس من المراد من هذه السطور التفريق، ففي الواقع الإسلامي ما يكفيه من المشاكل والتحديات والأزمات.. إنما الذي أريد أن أقوله: هو أن للشيعة حقوق سياسية ومذهبية وثقافية واقتصادية، آن الأوان لنيلها والقبض عليها، كما عليهم واجبات ينبغي أن تتراكم إرادتهم للالتزام والقيام بها.. فالأوطان قبل أن تكون أرض وهواء وماء، هي حق وعدالة وحرية ومساواة. لذلك كان واجبان:

1- واجب الواعين والمخلصين من أبناء الأمة، أن يساهموا في رفع الظلم والضيم عن هذه الطائفة الإسلامية، والعمل من مواقع مختلفة لرفض كل أشكال التمييز والتهميش التي تقع على بعض الفئات والشرائح لدواع مذهبية وطائفية مقيتة.

2- وواجب على علماء وهداة الشيعة ومثقفيهم، أن ينهضوا لتحمل مسؤولياتهم التاريخية في بناء واقعهم الاجتماعي والسياسي والحضاري، وردم ثغرات واقعهم وتخليص أبناء مجتمعهم من غوائل الجهل والفقر والضياع.. فاللحظة التاريخية بكل تحدياتها وآفاقها، هي لحظة إنهاء المعادلة الظالمة التي تحكمت في مسيرة الشيعة الإمامية في العصر الحديث والمعاصر..

فالواقع المشهود هو كما يقال: جباهنا يوم المعركة قدام المتاريس، ويوم تقسيم الغنائم والمكاسب نغيب في زحمة المؤامرات وفقدان بوصلة الأولويات.. فهذا ما لا نرضاه، ونرى أن اللحظة مؤاتية لإنهاء هذه المعادلة الظالمة..

عناصر القوة في الواقع الشيعي المعاصر:

لا يمكن أن نتعرف بدقة عن طبيعة الخيارات المستقبلية للشيعة في الواقع المعاصر، إلا بتحديد عناصر القوة التي يمتلكها هذا الوجود، وذلك للانطلاق منها في صياغة الراهن والمستقبل. وتحديد ثغرات الواقع ونقاط ضعفه، ذلك من أجل العمل على ردم هذه الثغرات وسد الفجوات التي تحول دون القبض على المستقبل.

وتأسيسا على هذا نبدأ بتحديد عناصر القوة في الوجود الشيعي المعاصر في النقاط التالية:

1- الموقع الاستراتيجي المتميز:

إذ حبا الله عز وجل أتباع مدرسة أهل البيت (ع) بنعمة كبرى تمثلت في أن أغلب تواجدهم البشري في مناطق وأراض ذات ثروات طبيعية هائلة، مما حول مناطقهم إلى مناطق إستراتيجية وذات تأثير مباشر في مسار العالم كله..

وهذا (أي الموقع الاستراتيجي) الذي نحظى به، يحملنا مسؤولية، كما أنه يضيف إلى رصيدنا عناصر قوة عديدة.. وذلك فإن مناطقنا ذات أهمية سياسية واقتصادية وإستراتيجية قصوى. ولا يمكن البحث عن مستقبل الطائفة، بعيدا عن هذه الميزة الأساسية.

2- الثروات العلمية والفكرية الهائلة:

لعلنا لا نأت بجديد حين القول: إن الثروة العلمية الهائلة، التي يتمتع بها أتباع مدرسة أهل البيت (ع) عبر حقب زمنية متطاولة، هو الذي دفع المحقق السيد حسن الصدر على تأليف كتاب(تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام) الذي أثبت فيه تاريخيا أن دور مدرسة أهل البيت (ع) في العلوم الإسلامية كان دورا تأسيسيا في أغلب هذه العلوم وأساسيا في الباقي منها. ويشير الشيخ الحر العاملي في آخر الفائدة الرابعة من خاتمة الوسائل من أن أصحاب الأئمة جمعوا تراث الأئمة (ع) في (6600) كتاب ورسالة وأصل، وقد امتازت من تلك الستة آلاف وستمائة أربعمائة كتاب سميت بالأصول الأربعمائة وهي التي جمعت فيما بعد فتكونت منها الكتب الأربعة: الكافي، ومن لا يحضره الفقيه والاستبصار والتهذيب..

ومجموع الأحاديث في هذه الكتب هو: (39263) حديثا بينما لا تبلغ أحاديث الصحاح الستة أكثر من (28200) حديث.

إضافة إلى العطاءات الفقهية والأصولية والعلمية والفكرية التي أبدعها وصاغها علماء الطائفة عبر عقود متواصلة من الزمن.

كل هذا يثبت وبشكل لا لبس فيه، أن من عناصر قوتنا وتميزنا، هو وجود هذه الإمكانات العلمية والفكرية والمتميزة والتي جعلت مدرسة أهل البيت (ع) في مقدمة ركب المشهد العلمي والفكري للمسلمين..

3- التراث السياسي المتقدم:

حيث أن قراءة فاحصة لتاريخ المسلمين الحديث والمعاصر، توصلنا إلى حقيقة أساسية وهي: أن مدرسة أهل البيت (ع) كان لها قصب السبق في الكثير من ميادين الجهاد والدفاع عن مقدسات الإسلام والمسلمين وثوابت الأمة.. مما وفر لنا جميعا ثروة هائلة تنير لنا دروب الحياة، وتوفر لنا إمكانية العمل والاستمرار في الحياة بدون الاعتماد على خيارات ظالمة سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي..

ولعلنا لا نبالغ إن من أهم عناصر هذا التراث السياسي، هو قدرة المجتمعات الشيعية على تسيير شؤونها وأمورها بعيدا عن مؤسسة الدولة.. مما جعل المجتمعات الشيعية تمتلك تقاليد راسخة في متطلبات التسيير الذاتي وشروط المجتمع المدني – الأهلي.. عكس الكثير من المدارس والتوجهات الفكرية، التي لا يمكن تسيير شؤونها وأمورها، بعيدا عن دعم الدولة ومؤسساتها السياسية والعلمية والاقتصادية..

والموقع الدولي البارز الذي يمتلكه أتباع مدرسة أهل البيت (ع) في العالم اليوم ممثلا في الجمهورية الإسلامية والوجودات السياسية والثقافية والإعلامية في الكثير من المواقع والمناطق، يدفعنا إلى القول: أن المدرسة الأمامية اليوم، تمتلك إمكانية دولية متقدمة سواء على الصعيد السياسي والدبلوماسي، أو على صعيد الإعلام والثقافة، أو صعيد العمل الجهادي بكل أشكاله ومستوياته.

وإلى جانب ذلك كله فأتباع أهل البيت (ع) وجود بشري يتوزع على منطقة واسعة من العالم الإسلامي تمتد من الهند شرقا إلى المدينة المنورة غربا و من العراق شمالا إلى اليمن والقطيف والإحساء جنوبا. أما مهاجرهم فموزعة على القارات المأهولة بالسكان من الأرض قاطبة. وتمثل أغلب مواطنهم مناطق اقتصادية وسياسية وجغرافية مهمة في الحياة الدولية والمعاصرة..

4- الالتزام بقضايا الأمة:

إن مدرسة أهل البيت (ع) وعبر تاريخها الطويل، هي التزام متواصل بقضايا الأمة. وفي أحلك الظروف وأصعبها لم تنفك العلاقة بين هذه المدرسة الإسلامية الأصيلة وقضايا الأمة المختلفة.. وما نود بيانه في هذا الإطار من قضايا الأمة، هي قضية وحدة الأمة وموقف أهل البيت (ع) وأتباعهم منها.

فالإمام علي (ع) ورغم اعتقاده بأن الإمامة له لا لغيره إلا أنه وحفاظا على وحدة المسلمين غض الطرف عن ذلك وقال كلمته المعروفة (لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن جور إلا علي خاصة).

ويتلو الإمام السجاد (ع) الدعاء لأهل الثغور رغم انحراف الدولة، ورغم ما كان من بني أمية بحق الإمام وآبائه عليهم السلام..

ويقول في هذا الصدد الشيخ واعظ زاده الخراساني " إن الوحدة الإسلامية ركن أساسي كالتوحيد، فكما أن النظرة التوحيدية للذات الإلهية هي أحد أركان الدين، كذلك الوحدة الإسلامية ركن أساسي بالنسبة إلى المسلمين. وينبغي أن يكون هذا الشاخص حاكما على كل الفعاليات والممارسات سواء منها الثقافية والعلمية، أو الكلام والفلسفة، أو الفقه والحديث والرجال، ولا يحق لنا نحن المسلمين أن نقوم بأي عمل يؤدي إلى خدش وحدة الأمة.. ويقول المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين في هذا الصدد "واعني بالأمة الإسلامية: التكوين البشري العقيدي على أساس الإسلام. الأمة الإسلامية هي مجموع من يحملون أصول هذا المعتقد، يحيون ويموتون عليها. ولا أعني مصطلح الدولة، وهو التكوين السياسي – التنظيمي للأمة. أو التكوينات السياسية- التنظيمية للأمة.. هذا المقدس (وحدة الأمة) هو من موضوعات علم الفقه، ولم يوضع له باب خاص في الفقه حتى الآن، وإن كان موضوعا في البحث الفقهي في أبواب كثيرة، ويجب أن يوضع له باب فقهي خاص.

ويجب أن تعاد صياغة علم الكلام على أساس أن وحدة الأمة الإسلامية، أحد الأصلين اللذين يبتني عليها الاعتقاد الإسلامي: الجملة الأولى، الأصل الأول مجموع التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد والأصل الثاني وحدة الأمة الإسلامية..

وعلى كل حال ما نستطيع الجزم به في هذا السياق، هو أن مدرسة أهل البيت (ع) ملتزمة بكل قضايا الأمة، وقدمت الكثير من التضحيات وتحملت الكثير من الآلام والأعباء في هذا الإطار.

ولا ريب أن توظيف عناصر القوة هذه في الوقت الراهن، يتطلب وعيا حضاريا متواصلا، يبتعد عن التوافه، ويعمل على إيقاظ الوعي والمعرفة وحس المسؤولية لدى أبناء الطائفة، وذلك من أجل توظيف هذه العناصر في بناء الواقع الشيعي المعاصر على أسس حضارية ونوعية، تعيد مجدنا، وتصون مكتسباتنا، وتحافظ على مقدساتنا وحقوقنا..

ما العمل:

عديدة هي المشاكل والتحديات التي تواجه الواقع الشيعي المعاصر، لذلك نحن بحاجة إلى بلورة إستراتيجية عامة، تستهدف العمل على بناء الطائفة وسد ثغرات واقعها، وحماية منجزاتها ومكاسبها.. وبإمكاننا أن نحدد هذه الرؤية في النقاط التالية:

أولا: بناء الطائفة:

من الطبيعي القول: أن قوة الأمم الحقيقية بمواردها الإنسانية قبل مواردها الطبيعية والاقتصادية، لذلك من الضروري أن تتوجه الجهود والإمكانات لتطوير هذه الموارد وتوفير المناخ الملائم لمشاركتها في شؤون البناء والعمران.. فالإنسان بما يختزن من طاقات وكفاءات، وبما يحمل من اهتمامات وتطلعات، هو رأسمالنا الحقيقي الذي ينبغي أن تتوجه كل الجهود إلى صقل مواهبه وإنضاج خبراته وتطوير قدراته.. لذلك جاء في الحديث الشريف أن (الشرف بالهمم العالية لا بالرسم البالية)..

وفي سياق بناء الطائفة وتطوير قدرات أبناءها، نؤكد على النقاط التالية:

1- إننا لا يمكن أن نجبر النقص العددي والكمي في الدائرة الإسلامية إلا بالتفوق النوعي.. فهو طريقنا لجبر النقص وإنجاز التطلعات ومجابهة التحديات..

2- إعادة صياغة العلاقة بين مختلف مكونات المجتمع الشيعي (المرجعية والسياسية والاجتماعية والثقافية) على أسس الفهم والتفاهم والاحترام المتبادل.. وذلك لأن الكثير من نقاط الضعف التي نعانيها على الصعيد الداخلي، هي من جراء غياب أدنى حالات الاحترام المتبادل بين تيارات العالم الشيعي وتوجهاته المرجعية والسياسية

3- لا ريب أن الجمهورية الإسلامية بما تشكل من طاقات بشرية وثقل سياسي واستراتيجي، هي العمق الاستراتيجي للطائفة الشيعية في مختلف الأمصار والبقاع.. وإن سوء العلاقة بين هذه القوة الإستراتيجية وبعض مكونات المجتمع الشيعي، أدى إلى خسارة الجميع الكثير من الفرص والإمكانات.. وفي سياق بناء الطائفة، نحن بحاجة اليوم إلى إعادة تنظيم العلاقة بين مختلف الوجودات الشيعية وهذا الكيان السياسي الهام.. أعني الجمهورية الإسلامية في إيران.. على أساس الاحترام المتبادل.. ولا بد أن يدرك الجميع أن سوء العلاقة واكتنافها بعض الالتباسات، قد كلف الجميع الكثير من الخسائر. وآن الأوان لبلورة خيار ومشروع يستهدف صياغة العلاقة بين الدولة الشيعية والمجتمعات الشيعية الأخرى..

4- بناء ثقافة إسلامية- شيعية تعلي من قيم الحرية والاعتراف بالتعددية وصيانة حقوق الإنسان.. فالتراث الشيعي مليء بالنصوص التي تؤكد على هذه القيم، ونحن بحاجة إلى صياغة ثقافة جديدة قائمة على هذه الأسس، وحث الجميع على الالتزام بكل مقتضياتها ومتطلباتها..

ثانيا: الانفتاح والتواصل مع الآخر الإسلامي، على الأسس والمرتكزات التالية:

1- إن الاختلاف الفكري والسياسي بكل صوره وأشكاله ليس مدعاة أو سببا لسلب الحقوق أو نقصانها. وإنما تبقى حقوق الآخر مصانة وفق مقتضيات العدالة.. فكما أن للإنسان حق الاختلاف مع أخيه الإنسان، فله في ذات الوقت حق ممارسة كل حقوقه بعيدا عن السلب أو التمييز. فالعلاقة في الدائرة الإسلامية بين مختلف المكونات والتعبيرات، هي علاقة اختلاف ومساواة في آن واحد..

2- إن الآخر المذهبي أو الفكري أو السياسي، ليس مشروعا للنفي والإقصاء المتبادل، وإنما هو مجال مفتوح وحيوي للتعارف والتفاعل والاغتناء. إننا بحاجة إلى مواطنة مبنية على انتماء متكافئ بين متطلبات الخصوصيات وضرورات العيش والانتماء الإسلامي المشترك..

3- إن تطوير حالة الانفتاح والتواصل بين مختلف التوجهات في الأمة، بحاجة إلى مبادرات فكرية وثقافية واجتماعية، وخطوات سياسية، تدفع الأمور إلى الأمام على هذا الصعيد، وتساهم في بناء حقائق ووقائع شاخصة في سياق تأكيد خيار الانفتاح التواصل في الأمة..

رؤية مستقبلية:

لعلنا لا نبالغ حين القول: أن الشيعة اليوم وفي مختلف مواقعهم ومناطقهم، يعيشوا فرصة تاريخية سانحة، حيث أن المتغيرات السياسية الحالية لا زالت تسير في صالحهم. حيث تم القضاء على نظامين سياسيين كانا يكنا العداء للشيعة وخياراتهم السياسية والثقافية وهما نظام طالبان ونظام صدام حسين.. ولقد تنفس الشيعة في أفغانستان والعراق الصعداء مع هذه التغيرات التي انسجمت ورغبتهم وطموحهم في إسقاط هذه الأنظمة والمشروعات التي أبادت الكثير من الشيعة وحالت دون استقرارهم السياسي والاجتماعي.

لذلك فإننا نقول: أن طبيعة التطورات السياسية والإستراتيجية في المنطقة، لا تتناقض في جملتها وخطوطها الكبرى مع تطلعات الشيعة ومطامحهم المعاصرة. وإن الشيعة بكل أطيافهم ومواقعهم يعيشوا فرصة سانحة لتحسين أوضاعهم، وتطوير مكاسبهم، وصيانة حقوقهم.

فالظروف الموضوعية كلها، مؤاتية لكي ينشط الشيعة ويطالبوا بحقوقهم في كل أوطانهم. وإن تلكأ الشيعة أو تراخيهم تجاه هذه الفرصة، قد يكلفهم الكثير. حيث أن ضياع الفرصة غصة، وأن الفرص تمر مر السحاب.

فلتتكاتف كل الجهود، ونتجاوز كل الاختلافات الداخلية، وذلك من أجل استثمار هذه اللحظة، والاستفادة القصوى من هذه الفرص السانحة.

فالعامل الدولي في القرن الماضي، كان عائقا دون نيل الحقوق في الكثير من مناطقنا. أما الآن فإن طبيعة التحولات والتطورات والاستراتيجيات، دفعت بالعامل الدولي إلى الانتقال من موقع المعارض والمحارب إلى موقع المتفهم لتطلعات الشيعة السياسية وحقوقهم المذهبية والثقافية.

فرؤيتنا لمستقبل الطائفة متفائلة وإيجابية، ولكن هذه الرؤية لا تدفعنا إلى الراحة والنوم. بل تحملنا مسؤولية اليقظة التامة والدائمة، والعمل المتواصل من مختلف المواقع لاستثمار اللحظة وتحقيق التطلعات وردم الفجوة بين الوعد والانجاز.

ولنتذكر دائما: أن الأمم التي تهرب من عصرها، تفسح المجال واسعا لخصومها وأعدائها لصياغة راهنها ومستقبلها. ولقد جاء في الحديث الشريف (من ساء تدبيره كان هلاكه في تدبيره)..

فالفرص اليوم أمام الشيعة قائمة، والتحديات شاخصة، وكلاهما بحاجة إلى رؤية حضارية وعزيمة راسخة وإرادة صلبة من أجل نيل الحقوق ورفع الحيف والظلم. وكما جاء في الحديث (بالصبر يتوقع الفرج ومن يدمن قرع الباب يلج).

فمستقبل الطائفة رهن بإرادة أبناءها وعزيمة رجالها.. فالظروف الموضوعية جد مؤاتية، لكي نرفع من وعن واقعنا ظلامات تاريخية. واللحظة مناسبة وفق كل المقاييس لكي تبرز إرادتنا الذاتية في استثمار وتوظيف الظروف الموضوعية لصالح حقوقنا وتطلعاتنا التاريخية.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5