تلوح في الأفق بوادر تصعيد جديد بين الاتحاد الاوروبي وأمريكا ومصر ضد تركيا على خلفية إصرارها على إرسال سفنها للتنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل جزيرة قبرص.

الاتحاد الأوروبي يناقش مسودة بيان قبل اجتماع وزاري يتضمن إعلانا عن تعليق المحادثات مع أنقرة، ووقف مفاوضات لإبرام اتفاقية للنقل الجوي بالاضافة إلى تجميد تمويل لتركيا في العام المقبل بسبب ما يعتبره الاتحاد تنقيبا غير مشروع عن الغاز والنفط قبالة سواحل قبرص، وسط تحذيرات اطلقها وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو من مغبة النتائج العكسية لأي عقوبات قد تفرض على حكومته.

دول الاتحاد الاوربي تزعم ان تركيا لا تملك اي غطاء قانوني للتنقيب عن مكامن الغاز والطاقة في شرق البحر المتوسط مستندة بذلك على الحق الذي منحتها به قبرص الشمالية التي لا يوجد اي اعتراف دولي بها سوى من قبل تركيا، فهل تتراجع تركيا عن التنقيب قبالة جزيرة قبرص امام الضغوطات الامريكية المصرية؟، ام تواصل مسارها واضعة جميع الاصوات خلف ظهرها؟.

التراجع التركي متوقع الحصول ولكن ليس قبل تحقيق بعض المكاسب المتمثلة والتي يأتي في مقدمتها الدخول بمفاوضات لترسيم الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية، ذلك عبر دفع الامم المتحدة لايجاد تسوية عادلة لازمة جزيرة قبرص المقسمة منذ سبيعينيات القرن الماضي، الى جانب استخدام هذا الملف كورقة ضغط على الويالات المتحدة الامريكية مقابل العقوبات المتوقعة جراء اتمام سفقة اس 400 مع الجانب الروسي، كما ومن الطبيعي ان تريد تركيا حلحلة العلاقة مع الاتحاد الاوربي على خلفية القرار الاخير له والمتعلق بوقف مناقشة انظمام تركيا للاتحاد.

التنقيب الذي قامت به السلطات التركية يأتي في سياق التغطية على التراجع في شعبية الحزب الحاكم( حزب العدالة والتنمية)، وارضاء الداخل التركي الذي بدأ بتغيير وجهات نظره حول السياسة الحزبية المتبعة وفوز امام اوغلو برئاسة بلدية اسطنبول للمرة الثانية.

تركيا تصر على ارسال هاتين السفينتين للتنقيب عن النفط والغاز في المنطقة التي تقول عنها بأنها جرف قاري تركي، ومن جهة اخرى تقول انها تابعة للاتراك القبارصة وهنا التساؤول القائم اي الحقين تتبع تركيا، لاسيما وانها تقول ان التنقيب جرى وفقا لاتفاقات اقتصادية ثنائية بين تركيا وقبرص الشمالية.

اليوم تركيا تقوم بالتنقيب بالمياه الاقليمية القبرصية يقابله احتجاج من الجانب الآخر، هنالك اعتقاد بأن منبع هذا الاحتجاج هو تنافس على تقسيم الثروات في المنطقة من قبل مصر المدعومة امريكيا وتركيا.

الاعتراض المصري جاء بسبب الاتفاق الثلاثي بينها وقبرص واليونان للاستثمار في مجال الغاز الطبيعي يتجسد في منتدى غاز المتوسط الذي يفرض ضوابط ومحددات التعامل بين الاعضاء، كما يوجد اتفاق مشترك بين القاهرة وقبرص حول توريد الغاز عبر الانابيب الى مصر ومن ثم تصديره الى اوربا.

الحكومة التركية تكشف عن وجهة نظرها في هذا الخصوص وتقول اما يقوم الجميع بالتنقيب من القبارصة واليونانيين والاتراك عن النفط والغاز او يمتنع الجميع حتى وضع تسوية مناسبة بين الدول المتنازعة وهذه النظرة تصطدم بمشكلة كبيرة وهي عدم الاعتراف بقبرص التركية غير تركيا وفي حال منحت هذه الجمهورية الحق لتركيا فهذا الحق لا يعترف به الاتحاد الاوربي وكذلك عرف القانون الدولي.

التنقيب ليس فقط حول قبرص بل التنقيب في المياه الاقليمية لكل دولة وتركيا هي بمثابة الدولة الضامنة لقبرص الشمالية وهو ما يعطيها الحق في التنقيب عن الثروات بحسب تصريحات لمسؤلين اتراك.

التدخل الامريكي في الموضوع يعطي رسالة واضحة للاعيان وهي لايراد لتركيا ان تكون دولة محورية في موضوع الطاقة متجاهل بذلك الاتفاقات مع العديد من الدول من بينها روسيا ومد السيل الاوربي من روسيا عبر تركيا وكذلك من اذربيجان الى اوربا.

قبرص دولة في الاتحاد الاوربي ومن الطبيعي ان يتدخل الاتحاد لحماية احد اعضاءه هذا من جانب، ومن جانب آخر مصر واليونان ملتزمتان مع قبرص بأتفاقية تجارية ومن حقها المراقبة والتدخل في حال حصول متغير في الاوضاع بغض النظر عن الجهة المتدخلة لاسيما وان هناك مصالح استراتيجية واقتصادية كبيرة بين تلك الدول.

الاتحاد الاوربي يدرك جيدا الانعكاسات السلبية في حال تدهور العلاقة مع تركيا في ظل وجود ترابط وثيق معها بمجالات مختلفة وبالتالي هو يعي تأثير ذلك في حال والوصول للقطيعة التامة، ما يمكن ان يحدث هو فرض عقوبات محددة مع وجود بيئة خصبة للاقدام على هذه الخطوة من قبل الاتحاد متمثل في الممارسات التركية وانحرافها عن معايير اتفاقية كوبنهاكن الخاصة بالعضوية الاوربية وتقييد المجال وازمة الحريات.

اذا اراد الجانب التركي التخفيف من حدة التوترات عليه ان يتسم تعامله بالمرونة لضمان حقوق الاتراك القبارصة وتجنب التصعيد او التوتر في هذا الملف، بشرط الا تصل هذه المرونة للتنازل الكبير عن حقوق القبارص الاتراك.

بينما ترى تركيا ان زمن الوصايا ذهب الى غير رجعة وليس من الممكن التسليم بأوامر امريكا فهي دولة لها سيادة ولا يزال قادتها يعتبرون انهم وريثي الامبراطورية العثامنية المترامية الاطراف وليس من السهل الانصياع لارادات دولة اخذت بالهيمنة والتدخل بما يعنيها ولا يعنيها.

ووفق النظرة الاخيرة فأن تركيا اصبحت هي من تقرر متى واين تنقب على خلاف الدول التي تعتمد بأنشطتها التنقيبية على شركات تابعة لدول اخرى وهو ما لا يروق للدول الغربية التي اعاتدت على دس اصابعها في الشؤون الداخلية والخارجية للكثير من البلدان مستهدفة بذلك مصلحتها الخاصة التي تسعى وبشتى السبل للنهوض بواقعها الاقتصادي.

وفي النهاية على الدول الاوربية ان تتقبل تركيا الجديدة والوضع الجديد ولا تقدم على المزيد من الاجراءات التي من شأنها التأثير على حجم الاستثمارات الاوربية في تركيا الذي يصل اكثر من 60% عبر 22 الف شركة اوربية تعمل في تركيا ووفق هذه المعطيات فان اوربا لم تقدم على المزيد من العقوبات حرصا منها على رأس ملها المشتغل في تركيا من الانحسار.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1