كثيرا ما يطرح السؤال حول علاقة العراق مع الولايات المتحدة الامريكية، وهل يجب اتخاذ سبيل المواجهة معها كما تفعل ايران وروسيا بهدف حفظ السيادة؟ ام عبر التعاون وفتح خطوط اتصال واسعة النطاق كما تفعل دول الخليج والاتحاد الاوربي؟

هناك نظريتن تتصارعان مع بعضهما، الأولى تريد قيادة العراق بأسلوب تصفير كل شيء واتخاذ موقف المواجهة الشاملة، والثانية تتخذ من التحالف وسيلة لتحقيق النجاح على المستوى الوطني عبر مرافقة القوة العظمى الأولى في العالم.

نظرية الممانعة

اصحاب نظرية الممانعة لا يقتنعون بغير فكرة المواجهة الشاملة من اجل التخلص النهائي من الوجود الامريكي باعتباره احد مخلفات الاستعمار والمتسبب الاول في دمار شعوب الشرق الاوسط، فالدول الاستعمارية تقوم على مبدأ نهب ثروات الشعوب العربية وما من طريقة للحفاظ على الثروات تلك غير طرد من يسرقها.

في الواقع تساهم الدول الكبرى وابرزها الولايات المتحدة الامريكية بنسبة كبيرة من السرقات العالمية لثروات الشعوب الفقيرة، فالتاريخ يشهد كيف تقوم بتدمير اقتصادات الدول من اجل تحقيق اهداف شركاتها وبعد نفاذ مخزون الثروة الوطنية تترك البلد يعاني من الفقر والجوع والتبعية الاقتصادية للمساعدات الغربية.

وحتى الحكومات التي تنصبها الدول الاستعمارية تكون وكيلا حصريا للسرقة لا اكثر، ولذلك لا تهتم الا بما يحفظ عروش حكامها، ويضمن استمرار تدفق الموارد (وخاصة الطاقة) الى الدول الكبرى، فالديمقراطية وحقوق الانسان ترف لا يجدر بالمواطن الحديث عنه، فمن الطبيعي ان تجد دولة حليفة للولايات المتحدة تستخدم اشد أنواع القمع اذا كانت تدفع مليارات الدولارات من قوت شعبها الذي تستولي عليه بالحكم العشائري او الانقلابات العسكرية.

وفق هذه المعطيات تبدو المواجهة الشاملة هي الطريق الامثل لاعادة بناء العراق بما يتناسب وتحديات الوضع الراهن اذ ان البيئة السائدة الان تقوم على مبدأ حفظ الحقوق من اجل ديمومة الدولة وقدرتها على الفعل السياسي والاقتصادي والثقافي.

بما ان الولايات المتحدة لا يهمها سوى المال، فقد تدعم حاكما ديكتاتوريا جديدة شبيه بصدام، وقد تؤسس لتقاليد قمعية لخدمة مصالحها، وبالتالي فلا طريق للنهوض بالواقع العراقي الا المواجهة وطرد الأمريكي، وهو ما تقوم به بعض الكتل البرلمانية التي تعتقد ان كل شيء لا يمكن إصلاحه قبل خروج الأمريكي من البلاد.

نظرية التحالف

هناك نظرية اخرى تقول بان العراق يجب ان يتخذ من الولايات المتحدة انموذجا يحتذى به، وان يسير تحت ظلها كونه دولة ضعيفة ما تزال في طور التكوين وهي بحاجة الى حماية امريكية في المنظمات الدولية ودخول اسواق المال والاقتصاد العالمي.

يستشهد اصحاب نظرية التحالف مع الامريكي بدول الخليج كانموذج للتحول من حياة البداوة والترحال الدائم الى الاستقرار والتقدم الاقتصادي غير المسبوق على مستوى العالم، فهذه الممالك الصغيرة لديها اليوم خزين مالي ضخم جدا يفوق اقتصادات دول كبيرة وجعل دولة مثل قطر تتسلق اعلى دخل لمواطنيها.

ما قامت به قطر والامارات والسعودية هو عقد اتفاقيات شراكة استراتيجية وفرت لها حماية قانونية وسياسية، فيما قامت هذه الممالك بضمان تدفق النفط الى الاسواق العالمية، وبدون ان تسرقه الولايات المتحدة انما هي تريد فقط ان يضمن لها بيع النفط لا اكثر.

اليس من الجيد ان تجد دولة بهذه المواصفات؟ ربما تكون حليفا استراتيجيا لا مثيل له، وقد يجعل العراق يتجاوز محنته في ظرف قصير لا سيما ونحن نتحدث عن دول الخليج التي لم تكن في السبعينيات سوى صحراء قاحلة بينما هي الان من اجمل الوجهات السياحية في العالم.

لماذا لا نعقد صفقات تجارية كبرى، ونجعل شركة لوكهيد مارتن ورايثون وبوينغ هي المورد الأول لأسلحة العراق؟ ولماذا لا تكون الولايات المتحدة هي المشتري الأول للنفط الوطني؟ السنا نحن من نبحث عن أسواق لنفطنا؟ ونبحث عن شركات لتقوم بتطوي هذه الصناعة التي تمول الاقتصاد الوطني؟

لمن ننتصر؟

من الطبيعي ان نقف مع صف الممانعة اذا تحدثنا عن نهب الثروات الوطنية من قبل الدول الكبرى، فهذا الرئيس الأمريكي ورغم العلاقة العميقة مع السعودية يتحدث دائما بلسان عصابات المافيا، ويكرر مقولة "ادفع" للملك السعودي، ويبين له انه لا يستطيع البقاء لاسبوع واحد دون حماية، اليس هذا كافيا لتشعر ان هذه الدولة الكبرى هي عبارة عن عصابة لنهب الأموال؟

وعند الحديث التقدم الاقتصادي وبناء ناطحات السحاب، وشركات التكنلوجيا وتطور السياحة والعلاقات التجارية مع دول العالم، سوف نقف مع أصحاب نظرية الاندماج مع الولايات المتحدة الامريكية، باعتبارها الضامن الأفضل لدولة ضعيفة مثل العراق.

لكن تحديد مساحة التحرك العراقي ليس بهذه السهولة، فاصحاب المعسكرين يستندان الى القوة الخارجية وليست المصلحة الوطنية، وهنا اصل المشكلة كلها، ينتظر صاحب راية الممانعة التطوارات الإقليمية ليعبر عن رأيه، وربما ينتظر امرا من الخارج، وبنفس الطريقة يتعاطى أصحاب المعسكر الأمريكي بطريقة رد الفعل عن السياسة الأمريكية لا المصلحة العراقية.

المشكلة الحقيقية ليست بالتحالف او بالممانعة، فعلى ارض الواقع لا توجد بوصلة للتعامل مع الأمريكي وفق أسس وطنية، والمشكلة ليست طريقة التعاطي معه، انما في اصل القرار الذي غالبا ما يأتي لتحقيق اهداف دول أخرى لا تربطها بالعراق سوى انه ساحة حربها الاسهل لضرب الولايات المتحدة، او انه ساحة حرب الولايات المتحدة الامريكية نفسها لضرب اعدائها.

اضف تعليق