اصدرت وزارة الخارجية الأمريكية إرشادات، دعت موظفيها إلى اتباعها، ومنها مغادرة العراق بأسرع وقت ممكن عن طريق النقل التجاري، وتجنب المنشآت الأمريكية داخل البلاد، ومراجعة التدابير الأمنية الشخصية، ومتابعة الأخبار المحلية، والحفاظ على الحذر.

وقبل يوم قال النقيب بيل أوربان المتحدث باسم القيادة المركزية للقوات المسلحة الأمريكية (سينتكوم)، المسؤولة عن منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، إن القوات الأمريكية في العراق "باتت الآن في درجة عالية من التأهب، بينما نستمر في مراقبة تهديدات مؤكدة، قد تكون وشيكة بالنسبة للقوات الأمريكية في العراق".

يبدو ان زيارة وزير الخارجية الامريكية مايك بومبيو الى العراق قد فشلت في تحقيق اهدافها، فقد جاء بومبيو الى بغداد من اجل الحصول على ضمانات بحياد العراق في المواجهة المستعرة بين واشنطن وطهران كما طلب قيام حكومة عادل عبد المهدي بحماية المصالح الامريكية.

هذا ما ذهب اليه وزير الامن الوطني العراقي السابق شيرون الوائلي، والذي قال ايضا ان بومبيو اعتبر ان اي اعتداء من قبل اي جهة محسوبة على ايران يواجه برد مباشر على المنشآة الايرانية، بدون التنسيق مع بغداد ما يعني رسميا خروج العراق من معادلة التعاون الى الخضوع التام للقرارات الامريكية التي تبحث عن ذريعة لمهاجمة ايران عبر الاراضي العراقية، وبما اننا امام فشل الضمانات وامكانية حصول ضربة وشيكة للمصالح الامريكية، فهل ستكون بداية المواجهة من العراق؟

ساحة حرب او طاولة سلام

من الممكن ان يكون العراق منطلقا لشرارة الحرب، او بداية لنزول الطرفين من سُلّم التصعيد غير المسبوق، فالولايات المتحدة الامريكية ترى في العراق عقدة صراعاتها في المنطقة، ولا تزال تفكر بتحويله الى انموذج لنفوذها، او على الاقل حائط صد متقدم ضد التطلعات الايرانية في المنطقة، فمن خلال السيطرة على المناطق الغربية المحاذية لسوريا يمكن قطع الشريان الحيوي بين دول "محور المقاومة"، وتجعل من امدادات الصواريخ لحزب الله مسألة صعبة للغاية، ومن هنا تقوم بحماية جزء من مصالح اسرائيل التي تخشى جديا من تنامي القدرات العسكرية لحزب الله والتي ياتي جزء كبير منها عبر العراق.

كما ان العودة الامريكية للعراق توفر لها مراقبة عن قرب للنشاطات الايرانية على الحدود العراقية المحاذية للسعودية ما يجعلها تحقق مطالب الرياض الدائمة بتحصينها من التهديدات المتكررة، ولاجل تحقيق هذه الغاية لا بد من وجود عدد كافِ من العسكريين، من هنا يمكن القول ان واشنطن قد تزج باعداد اضافية في قواعدها بعيدا عن اعين حكومة بغداد الحائرة بين الاعتراض على طرفي النزاع او ترك الامور بانتظار الزمن.

طبول الحرب التي تقرع في مياه الخليج يتردد صداها في العراق، واستراتيجيات الولايات المتحدة والسعودية والامارات واسرائيل تجعل من بلاد الرافدين ساحتها لتحجيم دور ايران غير المرغوب فيه وفق شروط وزير خارجية ترامب مايك بومبيو والتي وضعها قبل سنة كاملة.

استراتيجية مبعثرة

ترتكز الرؤية الامريكية للدور الايراني بالمنطقة على حماية مصالح اسرائيل، وتامين امدادات الطاقة، وحماية مصالح حلفائها الخليجيين، ومن هذا المنطلق جاء احتلال العراق عام ٢٠٠٣ لاعادة هيكلة المنطقة وفق استراتيجية الشرق الاوسط الكبير، وبينما مرّ اكثر من عقد ونصف على احتلال العراق ترى واشنطن ان اوراقها تبعثرت ولا بد من اعادة تنظيم شؤون المنطقة وفق متطلبات المرحلة الراهنة.

من بعثر الاوراق يعترف صراحة بذلك، ويتفاخر بانه هزم الولايات المتحدة رغم انفاقها ثلاثة ترليونات دولار، انها ايران المشاكسة بحرسها الثوري، وفصائلها المسلحة التي ملأت الشرق الاوسط واصبحت وكانها فرق عسكرية تابعة للحرس الثوري، والخطر الاكبر لهذه الجماعات هو دخولها في المنظومات العسكرية الرسمية كما هو الحال في الحشد الشعبي العراقي الذي يعد المتهم الاول بتهديد القواعد الامريكية.

الرئيس الامريكي السابق باراك اوباما كان يريد مواجهة النفوذ الايراني عبر الزام طهران بمعاهدات دولية، وادخالها في عمق التفاعلات الدولية، اي انهاء عزلتها التي غالبا ما تدفعها لافعال انتقامية من بينها تاسيس جماعات مسلحة وضرب النفوذ الغربي في المنطقة باعتباره تهديدا لوجودها، وفيما تم عقد الاتفاق النووي مع القوى الكبرى، بدت الامور على غير ما اراد الامريكيون وواصلت طهران زحفها نحو الخطوط الحمراء، وقد تجاوزتها في بعض الاحيان كما حصل في سوريا عبر ارسال صواريخ قرب الحدود مع الجولان المحتل، مستفيدة من خط امداداتها عبر العراق.

لم تنجح العقوبات الامريكية ابان عهد بوش في تقليص نفوذ ايران في العراق والمنطقة، ولم تستطع الاتفاقية النووية في ادخالها للمنطومة الدولية، فهل تستطيع تهديدات ترامب بتركيع طهران؟ لا يبدو الجواب بهذه السهولة، لكن المعروف ان تاريخ ايران منذ ثورتها عام ١٩٧٩ وحتى الان يعرف عنادا واضحا، ولم تتراجع خطوة عن اي منطقة نفوذ لها في المنطقة، ما يجعل فكرة انسحابها من العراق او موافقتها على قطع شريان التواصل مع سوريا امراً شبه مستحيل.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0