كرس العالم الروسي ايفان بافلوف اهتمامه على دراسة عمليات التعلم وفهم آليات عمل الجهاز العصبي والهضمي واللعابي عند الكلاب، وقد صمم جهازا لقياس كمية اللعاب التي تفرزها الغدة اللعابية في فم الكلب عندما يوضع الطعام في فمه.

وقد اجرى بافلوف عدة تجارب على الكلاب وادرك انها تبدأ بالتهيؤ للطعام ويبدأ لعابها بالسيلان لمجرد انها تسمع الأصوات المرافقة اثناء جلب الطعام، واستخدم جرسا يطرق عليه حينما يأتي بالطعام، واستمر على هذه الحالة حتى قام بطرق الجرس دون ان يأتي بالطعام، لكن لعاب الكلاب يبقى يسيل اذ تشعر ان هناك طعام قادم لها.

هذه الحالة يسميها بالاقتران الشرطي، أي انه جعل صوت طرق الجرس مرافقا لوجود الطعام، فوضع مثيرا يشعر الكلاب على ان طرق الجرس يعني وجود الطعام.

هذه الحالة لا تقتصر اليوم على الكلاب فقط، فوسائل الاعلام وماكينات الدعاية السياسية تستخدم علمية الاقتران الشرطي لبناء استجابات وهمية وتقوم برسم صور ذهنية لا علاقة لها بالواقع، اذ يمكن الترويج لصورة إيجابية لدولة معينة حتى وان كان واقعها مختلف تماما.

على سبيل المثال، جعلت الولايات المتحدة الامريكية فكرة حقوق الانسان والسلام مرتبطة بها دون غيرها، لدرجة اننا نتساءل عن إمكانية تصور فكرة ان امريكا امبراطورية قائمة على دماء الابرياء، فالغالبية قد تنظر اليك على انك انسان مختل عقليا، لكن ذلك ممكن في حدود التمرد الثوري، يمكن القول بدموية ألامبراطورية الامريكية اذا امتلكت كل أسلحة الدفاع الشاملة، وحصنت نفسك من الاستبعاد الاجتماعي، وقمت بالتحضير اللازم لمرحلة العزلة باعتبارك شخصا غير مرغوب فيه.

لا يمكن لاحد ان ينقل غير الوجه الحسن لامريكا، فهي دولة ديمقراطية، فيها العدالة تعلوا الى عنان ناطحات السحاب، والفصل بين السلطات نظام حافظ على كيانها بهذه القوة.

بالفعل، فالولايات فيها نظام قضائي هو من بين الأفضل في العالم، وفيها نظام تشريعي عريق لا تنافسه الا الدول الاوربية الحليفة للولايات المتحدة، كما ان نظامها الاقتصادي قائم على الرأسمالية التي تتيح للجميع التنافس والحصول على فرص النجاح، وعلى ضوء ذلك ولدت فكرة الحلم الأمريكي.

كل هذا في اطار الوجه الأبيض لامريكا ولا يوجد عاقل ينكره، لكن في كل حالة هناك وجه مخفي، وغالبا ما يكون بشع، وغير محبب ان يظهر امام الناس، وربما يكون بشعا جدا لدرجة انه يناقض تماما ما موجود في الوجه الإيجابي.

الوجه البشعة للولايات المتحدة الامريكية يأتي من كونها الدولة الأولى من حيث الميزانية العسكرية، والتي انعكست على أنشطتها العسكرية، اذ تعتبر الدولة الأولى في العالم التي تتدخل في شؤون الدول الأخرى متى شاءت، وتدمر الدول متى رأت ذلك يهدد مصالحها بغض النظر عن أي قضايا أخلاقية، او مراعاة للقوانين والأعراف الدولية.

من حرب إبادة الهنود الحمر الى العنصرية ضد السود والنساء، الى حروبها الخارجية، وهذه الأخيرة هي الأكثر فتكا وتدميرا للبشرية، اذ ان أمريكا هي الدولة الوحيدة التي استخدمت القنبلة النووية لابادة مدن كاملة في كل من هيروشيما وناغازاكاي اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية، وبررت ذلك بانه سوف يحقق السلام العالمي، لتستمر الذريعة الى يومنا هذا، فكل حروب واشنطن تشن باسم السلام للعالم.

حروب تدميرية شنتها أمريكا باسم مواجهة المد الشيوعي، وأوقفت العالم لعقود من التوتر والخوف، دعمت إسرائيل في حروبها لابادة الشعب الفلسطيني، ومزقت كوريا الى دولتين شمالية وجنوبية، وحاولت الاستيلاء على فيتنام لكنها هزمت، عادت الى العراق لتدمره بحرب استعادة الكويت وفرض حصال مميت تسبب بمجاعة كبرى للشعب العراقي، وبعدها جاء الغزو للعراق 2003 وتهديم كل بناه التحتية والمؤسسات، وفتح الدوائر الرسمية لعمليات النهم والسلب.

وامثلة التدمير الامريكية تتسع لتاخذ الصومال وأفغانستان وليبيا وسوريا وايران، والبلدان التي لا تدور في الفلك الأمريكي، في المقابل توفر واشنطن كل الدعم والحماية لاكثر الأنظمة شمولية، بحجة حماية مصالحها.

المشكلة ان هذا الاقتران الشرطي لدى الجمهور بين انسانية الولايات المتحدة جعل من الصعب توجيه نقد واقعي لها، بينما يمكنك كيل اطنان من الاتهامات الصحيحة والباطلة ضد البلاد الاسلامية دون ان يعترض احد يحترم عقله، فيمرر كل الاكاذيب على نفسه،

طبعا لا ننسى ان هناك كما هائلا من المشكلات في البلدان الاسلامية لكن هناك اضعاف هذه المشكلات في الدول غير الإسلامية، وخاصة الولايات المتحدة الامريكية، وبالتالي علينا ان لا نكون مثل كلاب بافلوف التي ضحك عليها بالطعام لمدة معينة ثم تركها مع صوت الجرس دون أي قطعة لحم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4