آراء وافكار - مقالات الكتاب

أم المشورة الصالحة رمز للتعايش السلمي

بمناسبة عيد ميلاد السيد المسيح

من المظاهر التي تعيد الأمل للعراقيين بواقع أفضل ومستقبل واعد، تلك الخطوات التي تدعم حصانة وركائز السلم الأهلي، من خلال المساعي الشعبية وبعض الأجهزة الرسمية التي تشارك في إحياء المناسبات الدينية للأديان المختلفة، فقبل شهور مضت ليس أكثر شارك المسيحيون المسلمين (سنّة وشيعة) في محفل واحد جمع بينهم لإحياء مراسيم أربعينية الإمام الحسين عليه السلام، وهذه إشارات مهمة وبالغة لتدعيم مقومات السلم الأهلي في عموم العراق بعد سنوات عصيبة حاولت فيها جهات وتنظيمات إرهابية مغرضة أن تدقّ إسفين الخلاف بين مكونات الشعب الواحد.

وهذا المسعى ليس جديدا لكنّ وتيرته تتصاعد بما يثبت أن مكونات الشعب بمختلف مسمياتها وانتماءاتها الدينية والمذهبية، بدأت تعي أن مصلحتها تكمن في توسيع وتعميق المشتركات بينهم، ومحاصرة نقاط الخلاف التي يسعى إلى إثارتها الأعداء، وهكذا بادر الجميع إلى تدعيم وتثبيت وتقوية دعامات السلم الأهلي من خلال الاقرار بالحقوق الدينية للجميع، والمشاركة في مراسيم إحياء المناسبات الدينية التي يهتم بها المسيحيون والمسلمون والمندائيون وغيرهم.

ومما يثلج الصدور تلك الأخبار التي تداولتها وسائل الإعلام المختلفة، القنوات الفضائية، ومواقع التواصل وسواها، عن عزم أجهزة الشرطة الرسمية في محافظة ديالى على إطلاق حملة إلى تهيئة وإعادة إعمال كنيسة أم المشورة الصالحة التي تم إغلاقها قبل أكثر من 13 سنة بسبب الاضطرابات الأمنية والطائفية التي عمّق من وتيرتها تنظيم داعش الذي هزمته القوات العراقية بمختلف تشكيلاتها وصنوفها شر هزيمة، وعلان النيّة بالاعمار تحوّلت إلى حقيقة.

فقد أعلنت قيادة شرطة ديالى، مشاركتها في إعادة تأهيل كنيسة أم المشورة الصالحة، المغلقة منذ أكثر من 13 عاما في بعقوبة مركز المحافظة، وقال المتحدث الإعلامي باسم شرطة ديالى العقيد غالب العطيه في بيان تلقته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إنه "بناء على توجيهات قائد شرطة ديالى اللواء فيصل كاظم العبادي باشرت مفارز من الشرطة المجتمعية بالتعاون مع دائرة الهجرة الدولية ومفوضية حقوق الإنسان بحملة واسعة لإحياء كنسية ام المشورة الصالحة وسط بعقوبة بعد مرور نحو (13) عاما على إغلاقها"، وأضاف العطية إن "إعادة تأهيل الكنسية يأتي في إطار دعم الأخوة المسيحيين لأداء صلواتهم الدينية التي توقفت، بسبب الأوضاع الأمنية خلال السنوات الماضية"، مؤكدا إن "المسيحيين جزء أساسي من مجتمع محافظة ديالى والعراق عموما".

إن إقدام مؤسسات وأجهزة رسمية على خطوات كهذه لا شك أنها سوف تشيع ثقافة مهمة بين مكونات الشعب العراقية المختلفة، فالأطفال حين يرون أن الشرطي الحكومي يقوم بترميم وإعادة كنيستهم إلى الحياة، هذا دليل على وعي الجميع بأهمية الجانب الإنساني في علاقاتنا المتبادلة كعراقيين، كما أن مشاركة المسلمين في مثل هذه الحملات البنّاءة، يدل بما لا يقبل الريب، أن هناك وعي مهم بتثبيت أسس وركائز السلم الأهلي في العراق كلّه.

فقد بيّن الناطق اسمه بحسب وسائل الإعلام انه"سيتم تنظيم حفل واسع لافتتاح الكنيسة اثر إنهاء عملية الترميم"، داعيا "جميع الإخوة المسيحيين لزيارة الكنيسة والمساهمة بعمليات الترميم لافتتاحها قبل أعياد رأس السنة" وهي دعوة مهمة تحمل في شعابها توجّهات إنسانية تعمق الوشائج بين المكونات الدينية المختلفة في الشعب العراقي، ما يؤدي بالنتيجة إلى صنع نسيج أهلي مسالم يتخذ من التعاون والسلم ركيزتين أساسيتين ينطلق منهما لبناء مفردات الحاضر وترسيم أواصر المستقبل بأجمل الصور التعاونية التكافلية الإنسانية.

ولم يقتصر هذا التعاون على أجهزة الشرطة في ديالى، فقد شاركت في هذا الجهد على المستوى الإعلامي والمادي مفوضية حقوق الإنسان، فقد كشف مدير مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في محافظة ديالى، صلاح مهدي، عن تفاصيل إعادة إحياء أقدم كنائس المحافظة من مخلفات ما تسمى سنوات الدم والتطرف. وقال مهدي لـ” ناس”، يوم (21 كانون الأول 2018)، إن “فريقاً مشتركاً من مكتبي حقوق الإنسان ومنظمة الهجرة الدولية والشرطة المجتمعية أطلق مبادرة تطوعية لإعادة إحياء كنيسة أم المشورة الصالحة في بعقوبة والتي تعتبر من أقدم وأهم الكنائس داخل المحافظة”، وأضاف مهدي، أن “الهدف من الحملة تأهيل الكنيسة ورفع أنقاضها وإعادة افتتاح أبوابها من جديدة بعدما أُغلقت خلال سنوات 2006-2007 بفعل ما شهدته ديالى من أوضاع متمثلة بأحداث الدماء والتطرف، لتقرع الكنيسة أجراسها من جديد وتقوم باستقبال المحتفلين بأعياد رأس السنة الميلادية من المسيحيين، وخصوصا بعد مفاتحة المفوضية ديوان الأوقاف المسيحية لافتتاحها بشكل رسمي”.

إن هذه الأخبار المفرحة تأتي بعد سنوات مريرة من أحداث العنف والتطرف التي طالت المسيحيين أو المسلمين أو غيرهم، وهذا ما يدل بشكل قاطع على عبور العراقيين لتلك المرحلة المؤلمة والبدء بمرحلة جديدة، هي مرحلة بناء الثقة والتعاون وترسيخ مقومات السلم الأهلي في ديالى وفي مدن العراق كلّه، لاسيما أن الناطق نفسه أشار إلى أن “مناطق محافظة ديالى، عانت الكثير بسبب الطائفية والتطرف خلال السنوات الماضية والآن أصبح من الواجب الإنساني الدفاع عن كافة حقوق مكونات المجتمع وإغلاق الطرق بوجه من يحاول زرع بذور الفتنة بين أبناء الشعب العراقي”.

إن هذه المبادرة الرسمية الأهلية تنمّ عن شعور عال بالمسؤولية إزاء المرحلة الجديدة التي يُقبل عليها العراقيون، بعد أن ذاقوا مرارة العنف بكل أصنافه، وهذه فرصة مهمة لإشاعة ثقافة التعايش بين الجميع، خصوصا أن العراق في المرحلة الراهنة بأشدّ الحاجة لتدعيم السلم الأهلي، وتعد كنيسة أم المشورة الصالحة في بعقوبة وكنيسة أخرى في خانقين من أبرز معابد الديانة المسيحية في محافظة ديالى.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0