يتطلع المواطن العراقي منذ بداية اكتشاف النفط في العراق بداية القرن العشرين للحصول على نسبة من هذه الثروة المهمة، لاسيما وان التطلعات ازدادت واصبحت واضحة للعيان لاسيما بعد التغيير السياسي عام 2003 والتخلص من النظام الاستبدادي والانتقال نحو النظام الديمقراطي الذي يفترض ان يلبي كل تطلعات وطموحات المجتمع لاسيما الحصول على مورد ثابت بالقياس الى بعض دول الخليج العربي التي خصصت جزء من هذه الثروة لمواطني دولهم.

لذلك اخذت معظم الحكومات المتعاقبة منذ 2003 ولغاية اليوم تضع هذا المطلب ضمن الاولويات في برامجها الانتخابية ما قبل الفوز وبرامجها الحكومية ما بعد الفوز، وجميع الكتل السياسية على اختلاف مشاربها تؤكد في برامجها الانتخابية على السعي لإعطاء حصة من النفط لكل مواطن عراقي، لكن مع شديد الاسف لم يتم تطبيق هذا الهدف على ارض الواقع لغاية اليوم.

ومن المفارقات اليوم نجد ان البرنامج الحكومي الذي تضمنته حكومة الدكتور عادل عبد المهدي اليوم في العراق قد اشارت اشارة واضحة الى موضوع اعطاء حصة لكل مواطن عراقي في حين نجد ان مسودة الموازنة المقترحة للتصويت والتي يعتزم ارسالها الى البرلمان تخلو من اي اشارة الى امكانية اعطاء حصة من النفط العراقي المباع.

وفي إطار الدراسة الأكاديمية تعلمنا ان نبدأ بالتساؤلات التي يطرحها موضوع الدراسة؟ والتساؤلات التي قد تطرح هنا، هل هذا الطموح صعب المنال وهل يحمل في طياته افكار طوباوية ام مطلب سهل التحقق؟ واذا ما كان المطلب صعب التحقيق لماذا تتكرر الدعوة له قبيل كل انتخابات وقبيل تشكيل كل حكومة؟ هل اعطاء حصة من النفط لكل مواطن يؤدي الى انهيار الاقتصاد بسبب استنزاف اهم مورد من موارد الموازنة العامة للبلد؟

هنا نقول ان الاجابة عن ما سبق لا يمكن ان تكون بنعم او لا، بل التفاصيل تطول ويطول الشرح حولها، وهنا لسنا بصدد السرد المطول او الحلول القائمة على اساس المجاملة او تخدير المشاعر بل نحاول ان نعالج الموضوع بطريقة علمية اكاديمية مع ضرورة الاخذ بنظر الاعتبار الظروف التي يمر بها البلد لاسيما الظروف الامنية والعسكرية وانعكاساتها على الظروف الاقتصادية بالمجمل.

وفي ظل التقلبات الاقتصادية في سوق النفط العالمية وفي ظل الظروف التي يعشها العراق اليوم، نعتقد ان اعطاء حصة من النفط لكل مواطن عراقي ممكنة لكن قد يكون هناك تأثير كبير جدا على الموازنة العامة، والتأثير هنا متاتي من كون الرواتب التي تعطى للموظفين والمتقاعدين حجمها كبير لا يمكن اضافة الحصة النفطية العينية اضافة الى هذا العبء.

وهنا نقول بتواضع توجد فكرة بعطاء حصة من النفط لكل مواطن عراقي لكن بشرط تحديد الفئات المشمولة، وبتحديد الفئات نستطيع ان نحول الطموح الى الواقع، واضافة الى ذلك ان تحديد الفئات المشمولة نستطيع ان نقول ان المبالغ المطلوبة ستكون قليلة بالقياس الى اعطاء الحصة لكل مواطن، والاهم من ذلك ان تحديد الفئات هو المرحلة الاولى قد يعمم الموضوع لجميع المواطنين في المستقبل، بمعنى اخر ان تحديد حصة النفط لكل مواطن ضمن فئات محدد سيكون جانب كبير منه تحقيق للعدالة الاجتماعية، والفئات المقترحة اربعة فئات يمكن توضحيها بما يلي:

1- المواطنون العراقيون الايتام.

2- المواطنات العراقيات الارامل والمطلقات.

3- المواطنون المرضى بالأمراض الخطيرة (السرطان على سبيل المثال).

4- المواطنون ممن يعيشون تحت خط الفقر (الفقر المدقع).

وهنا قد يقول البعض ان نسبة هذه الفئات غير قليلة وقد تشكل نسبة لا تقل عن ثلث المواطنين العراقيين، هنا نقول ان هذه النسبة حتى وان كانت هكذا هي نسبة واقعية بالإمكان تخصيص نسبة من مبيعات النفط بنسبة 10% واعطاء لهم الوارد من النفط ضمن هويات الكترونية تخصص لكل شخص مشمول ضمن الفئات اعلاه.

وللتخلص من موضوع صعود اسعار النفط وهبوطه يمكن تحديد النسبة (10%) على سبيل المثال لا الحصر وبالتالي المواطن المشمول لم تحدد حصته بمبلغ معين بل يأخذ حصته بالاستناد الى الاسعار العالمية فاذا ما كانت قليلة لا يمكن له ان يعترض لاسيما انه في حالات قد يأخذ مبلغ جيد في حالة صعود الاسعار.

بمعنى اخر تحديد النسبة دون تحديد المبلغ يصب في مصلحة الحكومات القائمة ويُمكنها من تحقيق هذا الهدف بسهولة ويسر وفي نفس الوقت يزرع الثقة لدى المواطن باعتبار ان هذا المبلغ هو ليس راتب رعاية اجتماعية بل نسبة بسيطة من حصته من النفط العراقي.

و اعطاء الحصة النفطية لهذه الفئات في العراق له مردودات ايجابية كبيرة لا يمكن حصرها لعل من ابرزها ما يلي:

1- انهاء معاناة هذه الفئات المستحقة.

2- تحقيق مساواة وعدالة اجتماعية بين الفئات المترفة والفئات المسحوقة.

3- تحقيق طموح حلم به كل مواطن عراقي وتحويل هذا الحلم الى حقيقة.

4- تحديد الفئات يُمَكن الحكومة من اعطاء الموارد دون تأثير على كاهل الموازنة، لا سيما اذا ما لم تحدد الحكومة المبلغ بل تحدد النسبة.

5- مساعدة وتمكين تلك الفئات لتغيير حالها نحو الافضل.

6- تخفيف السخط الشعبي من قبل هذه الفئات نحو جميع الحكومات القائمة.

7- اعادة تعزيز الثقة بين المواطن وحكومته.

وفي خاتمة القول لابد من التأكيد على ان الاكتفاء الاقتصادي مهم جدا ومرتكز ليس فقط لتحقيق العدالة الاجتماعية فحسب بل مرتكز لتعزيز الديمقراطية لان قيام الديمقراطية في ظل الفقر والعوز الشديد تجعل منها ديمقراطية هشة وليست مستقرة، وبالتالي يعاب على النظام السياسي القائم باعتباره عاجز عن تقديم اي خطة تذكر للخروج من هذه الاوضاع الاقتصادية التي عاشها ويعشها العراق الان.

* أ.م.د طارق عبد الحافظ الزبيدي-جامعة بغداد/كلية العلوم السياسية

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0