ابتداءً، يتعين علي ان اوضح انني استخدم مصطلح "سيادة المواطن" بدل سيادة الامة او سيادة الشعب، لانني ارى ان السيادة بالاصل هي للانسان، او المواطن، ولا سيادة لاحد غيره عليه الا بدليل وميثاق.

وفي الانظمة الديمقراطية التمثيلية يمارس المواطن سيادته عن طريق الانتخاب، او الاستفتاء، او حتى التظاهر.

ويشي عنوان هذه المقال بمعنى ضمني هو ان سيادة المواطن تتعرض للتآكل منذ اجراء الانتخابات العامة حتى الان بسبب سياسات وممارسات النخب القابضة على السلطة الان.

وتكشف ملابسات تشكيل الحكومة واختيار الوزراء، وخاصة بالنسبة للوزارات المختلف عليها، حجم التهميش والاقصاء الذي تعرض له المواطنون العراقيون الذين ينص الدستور في مادته الخامسة على كونهم "مصدر السلطات وشرعيتها"، بصفتهم شعبا، حيث "يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية".

فاما ممارسة السلطة عن طريق الاقتراع السري فقد تخلى عنها اكثر من نصف الناخبين بعد ان فقدوا ثقتهم بالانتخابات، ولم يشاركوا في الانتخابات؛ واما المؤسسات الدستورية، اي البرلمان، الذي انتخبه قسم من النصف الاخر، فلا حول له ولا قوة، بسبب التهميش الذي تعرض له ايضا من قبل امراء السياسة والحرب.

ولا يصعب علينا ان نلاحظ ان تشكيل الحكومة واختيار الوزراء او استبعاد المرشحين يتم بمعزل عن المواطنين وممثليهم المفترضين، النواب، وان شؤون الدولة تدار من قبل اشخاص معدودين اما وراء الكواليس او عبر المناوشات الاعلامية العلنية التي وفرتها تكنولوجيا المعلومات الحديثة. ولو صح ما يقال عن بيع الوزارات، فانه امر يتجاوز اي معنى متصور لسيادة الانسان.

وبهذا المعنى، فانه من الممكن ان نقول ان النخب القابضة على السلطة تحكم الان بمعزل عن الشعب او المواطنين. وان المواطنين، ومعهم برلمانهم المنتخب في واد، والنخب القابضة على السلطة في واد اخر. ومثل هذا الوضع لا يمكن وصفه بانه ديمقراطي، بل هو كما وصفته وحدة الايكونوميست "سلطة هجينة"، تحتكر السلطة وتنفرد بها، رغم القشر الديمقراطي-الانتخابي الخفيف.

ما يجري الان في العراق نموذج تطبيقي لمعادلة تقول انه قد يكون بالامكان احلال الديمقراطية في وقت ما في بلد ما، لكن ليس من المؤكد انه يمكن توطيدها في ذات البلد اذا كان القابضون على السلطة غير مؤمنين بالديمقراطية، واذا كان المحكومون غير إبهين بها. عند ذاك ينفرط امر الديمقراطية، ولا يبقى منها غير رسمها، البرلمان، هيكلا بلا مضمون.

حصل ذلك لان القابضين على السلطة ساروا في طريق "دولة المكونات" وليس دولة المواطن، والاولى، بالتعريف، لا تعترف بالمواطن، وتحذف الشعب من قائمة عناصر الدولة، وتستبدله بالمكون، وفي مرحلة لاحقة تنصب نفسها متحدثة حصرية باسم المكون، فتلغي حتى افراد المكون انفسهم، وفي هذا تشويه خطير لمفهوم الدولة، وانحراف كبير عن مفهوم الديمقراطية.

لا يمكن معالجة الامر ما لم يستعد الشعب، المؤلف من مواطنين فعالين، ايمانه باصالة سيادة الانسان، ما لم يؤمن الشعب بالانسان وبحقه بتقرير مصيره. وان الشعب لمعذور اذا كان غارقا في هموم المعيشة اليومية. لكن هذا العذر لا يكفي لتبرير قعود الانسان عن السعي لاستعادة سيادته وتقرير مصيره وممارسة سلطته الشرعية.

لا يعني ذلك تجاهل الحاجات المعيشية الملحة للانسان، وحاجته الملحة الى عمل وسكن ورعاية صحية الخ، لكن كل هذه الحاجات لا يمكن اشباعها خارج اطار الدولة الحضارية الحديثة.

....................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6