للازدواجية معانٍ كثيرة بحسب مجالها، فهناك ازدواجية سياسية وأخرى اجتماعية وثالثة لغوية وغيرها، والمقصود في موضوعنا هذا بالازدواجية، تلك التي تُظهر رؤيتين مختلفتين في شخصية واحدة وفي وقت واحد، أو تعاملين متناقضين مع قضية واحدة، وينشأ مثل هذا السلوك في الشخصيات غير المبدئية والقابلة للتلوّن بحسب المنافع والمصالح التي تقطفها من هذا الموقف أو ذاك.

وتم تعريف الازدواجية في قاموس المعجم الوسيط بحسب موضوعها، فإذا كانت ازدواجيّة في اللّغة، فهذا يعني استعمال اللغة الفصيحة واللغة الدارجة وهو خلاف الثنائية، أما ازدواجيّة الحكم فهي تعني اشتراك سلطتين فيه بوجه غير شرعيّ، وتوجد أيضا اِزْدِوَاجِيَّةُ الشَّخْصِيَّةِ، أَي الظُّهُورُ بِمَظْهَرَيْنِ إزاء قضية واحدة، وهذه المفردة اسم مؤنَّث منسوب إلى ازدواج.

لماذا يتم اللجوء إلى الازدواجية ومتى، أما الأسباب فهي متعددة ومتأتية من مصادر مختلفة، فمثلا ضعف الشخصية يؤدي إلى ازدواجها في الرؤية والسلوك والمواقف، وانتهازية الشخصية أيضا يقود إلى ربطها بالنفعية، فبالإمكان التعامل مع نقيضين في وقت واحد، وهي قدرة استثنائية سلبية، إذ كيف يمكن لشخصية يمكنها أن تتفق مع فكرين أو مبدأين أو موقفين متناقضين، وحمَلَة هذا النوع من الشخصيات لا مبادئ لهم ولا أصدقاء، لأنهم يلهثون وراء منفعتهم أينما كانت.

كذلك هناك شخصية يمكنها أن تمنع الشيء عن الآخرين وفي نفس الوقت تتعاطاه تحت تبريرات مزيّفة لا تصمد أمام الحقائق، فمثلا هناك موظف يعلن بين الناس وعلى الملأ في مواقف عديدة بأن الرشوة فعل غير لائق بالإنسان وأنه لا يحترم من يقوم بها، وأن الذي يتعاطاها يستحق الردع ويجب أن ينال أقسى العقوبات.

لكنه هو نفسه لا يستطيع أن يمتنع عن تعاطي الرشوة، فهو بالكلام رافض لها ويلحق أشد الأوصاف سوءاً بمن يتعامل معها، لكنه في نفس الوقت حين يحين فعل الرشوة لا يمتنع عن تعاطيها، هذه الازدواجية موجودة في مجتمعنا للأسف ويمكن في حالة التشديد الرقابي الرسمي أو المدني، أن نجد منها في أناس مزدوجي الشخصية، فكرا ومبادئ وسلوكيات.

كذلك للبيئة تأثير كبير في صنع الأسباب الدافعة أو المؤدية إلى التعامل المزدوج مع المواقف المتشابهة أو الواحدة، فمثلا هناك عائلات لا تتنبّه مخاطر السلوك المزدوج، وثمَّة آباء وأمهات لا يهمهم بأن الأطفال يتعلمون منهم كل ما يرونه من سلوك وكل ما يسمعونه من كلام يصدر عنهم، فإذا كان الأب مزدوج الشخصية، لا تهمه المبادئ ولا الأفعال ولا يعبأ بثبات المواقف خصوصا الصالح منها، فإن هذه العملية المختلطة سوف تنتقل إلى الأبناء، وسوف تورثهم شخصية قلقة مرتبكة مهزوزة نفعية لا يهمها سوى مصلحتها ومنفعتها المادية او المعنوية.

أما في الإجابة عن الشطر الثاني من السؤال، وهو متى يلجأ الإنسان إلى التعامل الازدواجي، فهذا يعتمد أيضا على ما حصل الشخص من بيئته من فكر ومبادئ وخصوصا في الجانب التربوي، فإذا رأى الشخص المزدوَج الشخصية مصلحتهُ في تصرّف أو موقف أو قول يرضي سيد المصلحة، فإنه لا يتردد في فعل ذلك تصرّفاً أو موقفاً أو قولا، لأن المهم لديه المنفعة بحسب ما تعلّمه من البيئة التي نشأ فيها ونهل منها الفكر والسلوك.

هل توجد في مجتمعنا نماذج من هذا النوع مزدوج المبادئ والمواقف والأفعال والأقوال؟ نعم مجتمعنا يضم من هذا النوع، ومع تقدم المادة على المبدئية، يزداد أعداد هؤلاء ويتضاعف، ولهذا النوع من الشخصيات تأثير كبير في خلق اللّا توازن المجتمعي، مع انتشار الشعور بالغبن بسبب إلحاق الضرر الشديد بالعدالة.

فمن يكوم مستعدا للكيل بمكيالين مع الناس بدون رادع من ضمير أو قانون، فإن هذا السلوك سوف يُلحق أفدح الضرر بالتوازن والاستقرار المجتمعي، وسوف تتراكم الأحقاد، ويزداد السخط، وسوف نصل إلى صناعة شخصية ناقمة لا تلتزم بالعادات الجيدة ولا تحترم القانون والدولة لأنها تعاني من انتهاك الحقوق بسبب ثقافة الكيل بأكثر من مكيال وتحطيم ركن العدالة الاجتماعية.

ماذا نفعل كعراقيين كي نقلل من ظاهر الازدواجية السلبية في كل الأحوال، فلا توجد ازدواجية إيجابية إلا في اكتناز العلوم والمهن المتميزة، لا بأس أن يكون الإنسان متقناً من طراز خاص لأكثر من صنعة، ولكن ليس صحيحا ولا مناسبا ولا يكون عاملا مساعدا على الاستقرار والتطور.

وحين تكون الازدواجية متعلقة بثبات المبادئ والسلوك، ففي جميع الأحوال ستكون النتائج بالسلب، وسوف يتعرض المجتمع إلى هزّات ماحقة، كما يتعرض العراقيون اليوم في مؤسسات الدولة ودوائرها وفي النسيج الاجتماعي إلى مشكلة مركبة ومعقدة بسبب ازدواج المبادئ والمواقف والثقافة والسلوك. وهو ما يجري اليوم في البيئة السياسية، ليسود مبدأ الازدواج وينشطر بقوة بين أفراد النخبة السياسية، فلا مبادئ تحكم سلوكم سوى المنفعة الفردية والحزبية، إلا ما ندر، في حين ما يحتاجه العراق نخبة سياسية مبدئية، لا تنصاع لازدواجية الرؤية والأفكار والمبادئ والسلوك.

نحن كعراقيين نحتاج إلى قادة مبدئيين من ذوي الشخصيات التي لا تهزّها المنافع، ولا يسيل لعابها على الأموال، ولا تعاني من ضعف المبدأ والشخصية التي قد تذهب بها إلى أدنى درجات الدناءة، وهو أمر لا يصبّ في صالح أحد، حتى حامل الدناءة نفسها سوف يتضرر بشدّة وإن كان يظن بأن سطوته على المال العام، وعقده صفقات مشبوهة ستعود عليه بالنفع. كلا، إن من يسعى لإسعاد نفسه، ويترك الآخرين في الجحيم، لن يُسعَد، ومن يعتقد أن الازدواجية رابحة ومجدية بالنسبة له، فهي نفسها سوف تُلحق به خسارة يتذوّق مرارتها لاحقاً، لأنه بازدواجيته، سيصنع مجتمعا ناقما ساخطا تجزِّئهُ الانتهازية والنفعية غير المشروعة، وتنسفه اللّا عدالة، وتهزّ الأسس الأخلاقية التي يرتكز عليها، وتعيث دماراً بالقيم الضابطة للنشاط الإنساني.

نحن لسنا بحاجة إلى مزدوجي الشخصيات ولا يوجد مجتمع بالعالم كله يحتاجهم، خصوصا أولئك الذين يتبوّءون مناصبَ عليا في الدولة، لكن هذا لا يعني أن ازدواجية الإنسان العادي لا تلحق ضررا بالمجتمع، كلا إن ضرر ازدواجية الشخصية يمكن أن يلحق الأذى بالجميع، سواءً كان صادرا عن مسؤول أو مواطن، من هذه الرؤية يجب أن يُحارَب الفكر والسلوك الازدواجي، فيما إذا أراد العراقيون بناء مجتمع تحكمه القيم الأخلاقية العالية، وتسوده العدالة الضامنة للاستقرار والتطور.

انقر لاضافة تعليق
عبد الباسط سعدون
البصرة
ما طرحه الكاتب في المتن يمثل جانب واحد من مشكلات المجتمع، الشخصية العراقية فيها نواقص من بينها الازدواجية.. ملاحظات جيدة ونأمل معالجتها بصورة وافية من قبل الذين يهمهم الأمر2018-11-17

مواضيع ذات صلة

0