حين بزغت الليبرالية في حومة الوجود الفكري، فُهِم من مدلولها أنها أسلوب عيش مقرون بالحرية، واحترام الخصوصية، وإتاحة الإبداع الفردي، ولكنها بعد أن وجدت مجالها الحيوي في الغرب، وأوروبا بشكل أخصّ، وتحولت من مبادئ تسعى إلى إنصاف الإنسان في مجالات التفكير الحر، إلى (كانتونات حكومية مريضة بداء العنصرية والتشدد)، أخذت تتمدد في اتجاهات متضاربة تأخذ بيدها نحو مناوئة (أفكارها ومبادئها) حيناً بعد حين.

كما بدا للمتتبع بشكل جليّ انحدار الليبرالية الغربية نحو التشدد، لدرجة أنها باتت تسعى لإلغاء الآخر، في الوقت الذي تُحرّم على الآخرين إلغاءَها، بالطبع هو صراع فكري يمتد إلى مجالات عملية واسعة في الحياة، ولكن حين يصل الأمر الى درجة التزمت والتمسك الحدّي بالموقف، حتى لو كان ذا طابع شمولي، فهذا يرسل إشارات تؤكد أن الليبرالية الغربية قد تُصاب أو أنها أصيب بالفعل بالداء الذي اتهمت الآخرين به، وقالت عنهم بأنهم مصابون بالمنهج الشمولي الذي لا يراعي الحريات الفردية، ونقصد بهم المناقضين لها في الفكر والتوجّه.

إن الليبرالية الشمولية المتشددة بالفعل، والمتهاودة بالقول، هي التي تقف وراء موجات التشدد الشعوبي الذي أخذ مداه الواسع في أوربا، وهو يأتي كرد فعل طبيعي مقابل التشدد الليبرالي في أفكاره وطروحاته ودعواته الشاذة، فمثلا حين تطرح الليبرالية الحرية المثلية، لدرجة التزاوج الرسمي في عقد قضائي أو ديني كنسي يتم (في الكنيسة)، أو في الدوائر الحكومية المختصة، هذا يتعارض مع مبادئ وأفكار أمم وشعوب وأقليات أخرى، بل هناك موجات عارمة تقف ضد هذا المدّ حتى في الغرب نفسه، ومع ذلك هنالك إصرار قطعي على المُضيّ قُدماً في تشريعات أو تخريجات كهذه على الرغم من أنها تُسهم إلى حد كبير في مضاعفة مستويات ومعدلات الانحلال والتفسخ الاجتماعي، فضلا عن نشر الإباحية كخيار سلوكي لا غبار عليه.

إن علامات التحوّل الفكري الليبرالي الشمولي يمكن أن نستلّها من مواقف وأنماط عيش عديدة، ففي الوقت الذي تدعو فيه إلى حرية الرأي والاعتقاد والانتماء الفكري أو سواه، فإنها في الوقت نفسه تحرم الآخرين من هذا الحق، ويصل بها التشدد إلى منع (الحجاب) كونه يتعارض مع حرية المجتمع أو يشكل تهديدا له، لكنها في نفس الوقت تنظر إلى الصليب (المسيحي) على أنه رمز ديني لا يتجاوز على الآخرين، هذا التناقص من الصعب النظر إليه من زاوية المساواة التي تدعو إليها الليبرالية الغربية، لكن الحجاب مُنع بالفعل في عدد من الدول الغربية بتبرير أنه يتجاوز على حرية الغرب.

وهناك الكثير من هذه الأمثلة التي أظهرت أن الليبرالية الغربية تنحدر على نحو سريع وخطير في الفخ الشمولي، ومما يزيد الأمر تعقيدا تلك المحاولات الحثيثة لإلغاء الهويات الفرعية وحرمانها من خصوصيتها الشديدة، مما يشكل خطرا داهماً على الأقليات التي أخذت تشعر بالخوف من التجاوز على حقوقها أو حتى استشعارها للخطر المهدِّد لوجودها.

هذا الاتجاه الليبرالي بكل ما ينطوي عليه من حالات تفسخ أخلاقي وتجاوز على الخصوصيات الاثنية وسواها، لم يعد يحتل الساحة وحده ولم يتمكن من إقصاء المعارضين حتى في مجتمعاته والدول التي نشأ ونما فيها، فقد ظهرت مؤشرات نقيضة على نحو يحمل الكثير من الصلابة والجدية والتأييد، يتمثل بتعاظم التيار الشعبوي في أوربا وحتى في الأمريكيتين الشمالية والجنوبية، وثمة موقف للكنيسة يرفض هذا الانحدار الغربي ليس معلناً لكن مؤشراته بدت جليّة ولا يمكن للمتقصّي إهمالها.

في البرازيل مثلا تلقّى الرئيس المنتخّب دعما كبيرا من قبل الكنيسة، وقد يكون دورها فعالا بنسبة كبيرة في وصوله إلى قصر الرئاسة، وكان الشعار الأهم للرئيس البرازيلي الذي رفعه في حملته الانتخابية هو (لا للمثلية)، وهناك صعود متعاظم لليمين في أوربا، يمكن تقصيه وملاحظته بكثير من الدقة عبر المتابعة والتدقيق والتحليل ومن ثم الاستنتاج، لنصل إلى حقائق جديدة في مضمار الصراع المحتدم بين الليبرالية من جهة ومناوئيها ليس فقط كفكر، وإنما كأسلوب حياة، يميل إلى الشمولية ويلغي الآخرين، ويحتج على ثقافاتهم من جهة ثانية.

بالطبع ليس من المتوقّع أن تدين الليبرالية الطابع الشمولي وهي نفسها تعتمد هذا الفكر أو السلوك، ولا يمكن أن يتم الاعتراف بهذا الخطأ، فمثلا تعلن وتؤيد الحرية الفردية، وتحمي حقوق الإنسان وتدعوا لذلك نظريا، لكن جميع الوقائع السياسية وسواها، أثبتت بما لا يقبل الريب، أن ما يُقال ليس كما ينظَّر له، وربما تكون مساحته محددة بمساحة الغرب وحده وإنسان الغرب، بل حتى في الغرب نفسه هناك ثغرات وخروقات تُرتَكب بوضوح كما تمّ الإشارة إلى تأييد وتبجيل (الصليب) وفض الحجاب مع أن من يرتديه هو مواطن غربي حاصل على الجنسية الداعمة وإن كانت أصوله شرقية إسلامية.

وقد أشار مفكرون ومثقفون عرب إلى شيء من هذا القبيل كما نلاحظ ذلك فيما كتبه غسان عبد الخالق عن الليبراليين العرب حين قال: إن الليبرالية العربية دخلت في حومة الجسد واللاهوت ونسيت مهمتها الأكبر وهي إحداث التغيير في الاقتصاد والثقافة بما يحافظ على الهويات الخاصة وليس قهرها. ويضيف الكاتب نفسه القول: الخلاصة تحاول الليبرالية الغربية اليوم أن تتخلص من الخطأ.

وهو يعني بذلك كما نعتقد محاولات وإن كانت متأخرة بالتراجع عن بعض الأخطاء، أما الليبراليون العرب، فإنهم قد لا يتلمَّسون ذلك، وربما ستمرّ سنوات أو عقود لكي يفهموا أن الليبرالية التي تلغي الآخرين وتفرض شروطها على نحو أحادي لم تعد مقبولة في عقر دارها، ونقصد أوروبا التي احتضنت الفكر الليبرالي، لكنها بدأت تتململ منه تحت مخاطر الانفلات والتحلل والإكراه الديني.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3