تسهم التصدعات التي تحدث في مجتمع ما على الشأن السياسي وتتبلور في مجموعة رؤى وافكار تؤدي الى انهيار السياسة فيه والمجتمع. بيد أن الحال في الموصل اسهمت التصدعات السياسية في تصدعات على المستوى المجتمعي وهو امر يعود في المقام الاول الى انتهاج العمل السياسي مسلكاً يعمل على ايقاظ عوامل الانشطار والانقسام المجتمعي من هويات اولية طائفية أو اثنية أو دينية أو طبقية أو مناطقية أو عشائرية، وكل ذلك في سبيل الوصول الى اصوات الناخبين، قابلها انهيارات متتالية في الوضع الامني قادت الجماعات الاجتماعية الى الذهاب الى هوياتها الفرعية من أجل الاحتماء بها. وهو أمر قاد الى فرز اجتماعي الغائب الاكبر فيه ضعف الحوار بين الاطراف الاجتماعية ضمن المجتمع الموصلي.

ومن المؤكد بان المدن التجارية والاقتصادية تحاول ان تنعم بالهدوء بعيدا عن معارك السياسة وتقلباتها، لهذا لم تنضج فكرة العمل السياسي الميداني اليومي ولم تكن للموصل نصيب كبير في التأسيس للحياة الحزبية كحال المدن الاخرى. واسهمت الحزبية كما تشير التجارب التاريخية في زيادة حدة الانقسام داخل الموصل وتجربة 1959 خير شاهد على ذلك، والحال لم يختلف بعد 2003 من ظهور التعددية الحزبية المنفرطة، ادت مع تردي الوضع الامني علاوة على جملة الفتاوى السياسية الى مقاطعة ومن ثم مشاركة اسهمت مرة ثانية في زيادة تصدعات بدأت تكبر مع موجات تهجير وتقلبات سياسية وادارية انعكست على المجتمع الموصلي سلبا.

وعليه فان قراءة الواقع السياسي الموصلي ومدى انعكاسه على تصدع المجتمع ينبغي ان تحدد جملة المشكلات، مع ما يقابلها من حلول ومقترحات تسهم ولو بشكل مبسط في ردم عدد من الفجوات التي حدثت في جسم المجتمع الموصلي:

1- البرغماتية السياسية للأطراف السياسية في الموصل سواء التي تتبنى الخطاب القومي او الاسلامي أو العشائري أو المناطقي لم يقابلها تبرير من تلك الاطراف في ان السياسة هي ليست مغالبة وانما هي توافق واتفاق لذلك فان الاطراف السياسية لم تدرك عملية الاندفاع السياسي للمجتمع وراءها ومن ثم النكث بالوعود التي قطعتها للمجتمع اسهمت في زيادة الفجوة وضعف الحوار بين الاطراف الاجتماعية، وانعكست سلبا بين كافر بالسياسة وبين متحفظ عليها.

2- العمل السياسي عمل على زيادة حدة التقاطعات داخل المجتمع وتبنى خطابا يدغدغ مشاعر الكراهية بين الاطراف الاجتماعية، ولم يعمل على السمو فوق تلكم الخلافات المجتمعية والعمل على تعزيز الحوار بينها بل عمل تعزيز موانع الحوار والدعوة الى الخشية من نتائجه.

3- تناغم كثير من الاطراف السياسية مع الجماعات المتطرفة والارهابية ادت الى ان تشكل هذه الجماعات دولة عميقة داخل الدولة في الموصل، ومن ثم تحولت الى اصدار اوامر النهي والعقاب والثواب، وهو ما قاد الى تدمير الذات السياسية ومن ثم المجتمعية الموصلية وضعف ثقتها سواء بمؤسسات الدولة أو الاطراف السياسية التي كانت تمتلك خيوط تشابك وتواصل مع تلك الجماعات. والامر كان يتطلب معالجات يتوجب بموجبها على أطراف العمل السياسي بان تسهم حتى وان خسرت انتخابات او مزايا اقتصادية من مشاريع الدولة أن لا تضعف ثقة المواطن الموصلي بمؤسسات الدولة أو تعمل على الدعوة على مقاطعتها وعدم الانضمام الى اجهزتها ولا سيما ما يتعلق منها بالملف الامني.

4- تبني الاطراف السياسية خطابا كان موجها الى مكونات وليس الى مجتمع قاد الى عدم وجود اطراف سياسية تتمكن من تبني خطابا يسمو على الخطاب المكوناتي ويستطيع التأسيس على قاعدة المساواة بين الجميع لذلك اضحت بعض المناطق اشبه بمناطق مغلقة لأطراف محددة تقابلها مناطق اخرى ولم يكن ينقصها الا خطاب تحريض بسيط لتندفع تلك بمواجهة وصلت في بعض الاحيان الى التلويح باستخدام السلاح.

ختاماً، لا بد من القول بانه لابد من معالجة تلك التصدعات السياسية حتى توقف نزيف الموارد المادية والبشرية للمجتمع الموصلي وتوقف الاختلال الديمغرافي فيه اذ فقدت الموصل مسيحييها وقبل ذلك فقدت اليهود فيها، وقد يستمر النزيف فيها لتفقد الموصل مثقفيها وكفاءاتها بما سيجعل من الموصل قبلة للجهل والتخلف بعد أن كانت قبلة المثقفين والمتعلمين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0