شهدت الموصل عبر تاريخها أحداث كثيرة، بيد أنها لم تشهد حدثا حرك كوامن وآثار سلبية مثلما مرت على المدينة والمحافظة خلال احتلال داعش، ودفعت ضريبة باهظة نتيجة هذا التنوع الديني والعرقي والطائفي. وفي أية قراءة لطبيعة التباين والتعدد في نينوى فان النتيجة الأساسية: هي تنوع ديني، إسلام ومسيحية وايزيدية، تنوع عرقي، عرب وكرد وتركمان وشبك، تنوع طائفي، سنة وشيعة.

وشكل هذا المزيج المتباين صورة طيبة ومشرقة لمحافظة تتسع وتستوعب جميع هذه المكونات، لكنه مع احتلال داعش تعرض هذا الخليط ليس للتهجير فحسب بل لزرع خطاب الكراهية بين أطرافه، وما تحتاجه المحافظة أكثر من أي وقت مضى، تفعيل إدارة هذا التنوع بما يرسم صورة جديدة عن المحافظة، وفي الوقت ذاته الحفاظ على هذا التنوع من التشتت والضياع. وبما يجعل من التعايش يرتكز على جملة من المتطلبات الاساسية التي يحتاجها لادامته فضلا عن تشخيص تلك الاشكاليات التي تصيب كيان التعايش بالشرخ.

يبنى التعايش على مقدمات فكرية تؤسس له ويقع في مقدمتها التسامح بما يعمل وفقه على تجاوز اثار الماضي وتصفية ارثه، عبر اشاعة تلك الثقافة التي تجعل القبول والالتزام المتبادل بين الذات والآخر موضوعا يؤسس لمطابقة الفكر مع السلوك، ومن ثم ياتي التفاهم والحوار ليستكمل مابدأته جهود دعاة التسامح من جعل الجلوس على طاولة تفاوض وحوار هي السبيل الامثل لتذليل العقبات التي تعترض التعايش، ويتوج ذلك بالتعاون الذي يقطف ثمار التسامح والتفاهم عبر اندماج داخل كيان التعايش تتفق فيه اطراف التعايش على ضرورة العيش المشترك عبر تعاونها وتعاضدها وحاجة كل منهما للآخر في هذا الامر.

ويحتاج التعايش الى ادراك عدد من المتطلبات التي يكتمل بها: وياتي اولها المتطلبات السياسية والقانونية، اذ لها اثر كبير في التعايش ففي الجانب السياسي، فمن دون عمل سياسي يدرك معنى مشاركة الجميع ويتجاوز خطاب الكراهية ويقبل باللعبة السياسية كونها فوز وخسارة فانه لايمكن أن يكتمل التعايش، كما أن تفعيل المشاركة السياسية والقبول بتوزيع السلطة يعد مستلزم اساسي لاكتمال التعايش. أما الجانب القانوني فان تطبيق القانون وعد التمييز واشاعة ثقافة احترام القانون تشكل عاملا ومتطلبا اساسيا، فضلا عن تفعيل موضوع العدالة الانتقالية لمحاسبة منتهكي الحقوق ودعاة الكراهية ومروجيها عبر تلكم القوانين. مما يفضي الى ايجاد ارضية سليمة لاي تعايش في الموصل بعد التحرير.

أما ثاني هذه المتطلبات فهي المتطلبات الاجتماعية والثقافية، ففي الجاني الاجتماعي فان تعزيز التماسك الاجتماعي وادراك التنوع الموجود في الموجود مستلزم اساسي لبناء تعايش في الموصل على اسس صحيحة واعتبار ذلك التنوع والتعدد الموجود هو عامل اثراء للموصل وليس عامل تهديد. وبناء هوية تعتمد على التنوع بدل محاولة ادماجه بالقسر والصهر. اما في الجانب الثقافي فان تعزيز التعايش عبر بوابة الثقافة واشاعة جو ثقافي وتعزيز التنوع الثقافي والحفاظ عليه فضلا عن اعلاء شان الرموز الثقافية لمحافظة نينوى ومدينة الموصل عبر المهرجات والتواصل الانساني الثقافي وابراز تنوع الثقافات وتفاعلها في داخل الموصل.

في حين ان ثالث هذه المتطلبات تتمثل بالمتطلبات الاقتصادية والامنية، فان تعزيز الازدهار والاستثمار الاقتصادي يمكن عده كفيل بالقضاء على الاحتقان الموجود والذي ترتسم ملامحه عبر تزايد الفوارق الاقتصادية، كما أن الاقتصاد يعزز من فرص التبادل الاقتصادي ويربط المناطق بعضها ببعض ويعزز من رغبة تمسكها ببعض. ومايحتاجه الاقتصاد هو وجود اجواء تتمتع بالامن الذي له انعكاسات على جميع مفاصل التعايش، اذ يعد المستلزم الامني ضروري جدا لاضفاء صرة للتعايش في الموصل وللقضاء على العنف والجريمة المنظمة والجماعات الارهابية التي لاتنفك تهدد التعايش كلما سنحت لها الفرصة بذلك.

واذا كان للتعايش من متطلبات فان له ايضا جملة من الاشكاليات التي ان لم تجد حل تتحول الى معوقات وصعوبات وهي تتمثل بالتغيير الديمغرافي والتهجير الذي حدث في محافظة نينوى ومدينة الموصل منذ 2003 واستفحل الامر بعد احتلال داعش للمحافظة. يضاف الى ذلك اهم تلك الاشكاليات خطاب الكراهية المؤسس على الانغلاق الذاتي والموتور بذاكرة تاريخية تستدعي انتقائيا بما يعزز من بث كراهيتها وحقدها على الاخرين، فضلا عن الذاكرة الجماعية للمحافظة والمدينة التي ان لم يتم الاتفاق على ذاكرة مكشتركة تستوعب فيها منجزات الجميع ولاتستثني منها احدا فان المجتمع امام خيارات صعبة اولها يتمثل بانهيار كيان التعايش المؤسس على ذاكرة احادية الجانب تعد ما دونها بوصفهم طارئين وثانيها اختزال فضاء المناقشة واحتكاره من قبل جهة محددة يعزز من فرص دعاة الكراهية ويشيع اجواء الاحتقان والانتقام.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

13