يُقال أن الحق والباطل ذهبا إلى الشاطئ معاً، فجأة أصر الباطل على الحق بأن يدخلا في الماء ليسبحا، قَبِل الحق كلام صديقه ودخلا معاً إلى الماء، ولكن الباطل غدر بالحق وخرج من الماء أسرع منه وارتدى ملابسه وبقي الحق وحيداً يطلب المساعدة والإنقاذ.

منذ ذلك الحين يمشي الباطل وهو يُضلّل الملايين بواسطة مظهره الجميل والمُغري،ِ وبقي الحق يمشي بملابس بسيطة في الأزقة ولا يرغب به أحد إلا الذي يعرفه حق المعرفة!، لذلك لا يمكن أن يُعتمد على الأقوال من خلال ما هو الظاهر فقط، بل لابد من البحث عن المبادئ والقيم بين ثنايا الروح، في يومنا هذا هناك كثير من حالات لبس الحق بالباطل، والباطل بالحق والعمل بحسب الأهواءـ حيث تسبّب ذلك بأضرارٍ كبيرة في جذع شجرة عقيدة الناس وتمسكهم بالدين.

لذا نجد الكثيرين يذمّون المتديّن وأحياناً يشكّكون في بعض النصوص الدينية أيضاً، لأنّهم لا يبحثون عن الدين نفسه بل يحكمون على الدين من خلال هؤلاء! ولهذا السبب خُلط الحابل بالنابل، وصار باستطاعة الإعلام أن يضلّل المرء ويسلّط الضوء على الفاسد ويرفعه إلى أعلى عليين كي يبيّنه رجلاً متقيّاً.

وينزّل ذاك الآخر إلى أردأ المستويات ويبينه منافقاً خارجياً كما عومل سيد الشهداء الإمام الحسين (ع)، والعظماء الآخرين ولكنّ الحق لابدّ وأن يظهر ولو بعد حين، ولو بحثنا في سطور واقعة الطف سنجد أن التضليل الإعلامي طغى على الساحة وهجم الناس على سيد الشهداء وأساءوا له مع أنه هو سيد شباب اهل الجنة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله ووقفوا في وجهه وبادروا بقتله.

في يوم عاشوراء وقف جيش عبيد الله بن زياد والأعداء للصلاة كي لا يضيعوا ثواب الصلاة في اول وقتها، ووقف جيش سيد الشهداء أيضا للصلاة وهم يتحملون الأذى من الأعداء وكلماتهم القاسية والهجوم عليهم.

ومن يرى الظاهر يحكم على الجيشين بالخير، ولكن باطن الأمر يحكي حكاية أخرى إذ هو الركن الأساس في تعيين الحق والباطل، لأن الإيمان ليس المظاهر فقط بل كما سئل من أمير المؤمنين عن الْإِيمَانُ، حيث قال أمير المؤمنين علي عليه السلام:

الْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ.

ولا شك أن بين القول والفعل مئات الفراسخ، وهناك فرق كبير بين من دينه لعق على لسانه أو الذي يبين الإخلاص والدين من أفعاله واقواله وسكناته.

قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ [الأنفال: 2 - 4].

كما نقرأ في الآيات الكريمة، أن هناك صلة بين القول والفعل ولا يمكن أن يتفوه المرء ببعض الكلمات ويظن نفسه أنه أصبح مع اهل الحق والإيمان، ولا يمكن أن يكون الإيمان في القلب فقط بل لابد وان يظهر الإيمان على الأركان، ويبين من أفعال الإنسان كما ورد في القران الكريم:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ...)

المؤمن الحقيقي والحسيني الأصيل يعرف مبادئ الدين الحنيف وقيم سيد الشهداء عليه السلام، إذ هما متلازمان كما قال رسول الله: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا..

إذاً فإن معيار المعرفة والتمييز ليس النظر إلى المظاهر فقط، كالعائلة الفلانية أو المنصب الكذائي أو العالم الفلاني و الظواهر أو مشاهدة كثرة الأصوات والأتباع، بل مقياس الحق الرجوع إلى بواطن الأمور والغوص في قاع بحار الوجود وتشخيص الحق من الباطل كي لا يكون قول الله أكبر على لساننا ونرفع سيوفنا في وجه الحق.

أهل الحق على يقين

اهل الحق على يقين بما يفعلون وبمن يقتدون، لا يخافون في الله لومة لائم، كما كان سيد الشهداء عليه السلام في واقعة الطف رغم قلة عدد أصحابه، ولكن وقف في وجه الطغاة ليبين لابد وأن يعلو الحق.

وهذه الواقعة أصبحت جامعة متنقلة تتنقل في كل الأزمان والأماكن وتهدي جميع الفئات الى سبيل السواء، إذاً ليس كل ما تراه العين يعد مقياسا لمعرفة الحق من الباطل، بل البحث عن الحق له حكاية أخرى ويتطلب من الانسان البصيرة والعمل الدؤوب ليل نهار، كي يرتقي الإنسان ويدخل في قائمة السعداء ويفوز فوزاً عظيماً.

يقول الامام علي عليه السلام: « إن‌ الحق‌ ثقيل‌ مريء وان الباطل خفيف‌ وبي‌ء».

و يقول أيضا: «إن أفضل الناس عند الله مـن كـان‌ العـمل‌ بالحق‌ أحب إليه وان نقصه وكثره، من الباطل وان جـر إليـه فائدة وزاده‌».

الحق بأن يبقى المرء مع الحسين عليه السلام في أحلك الظروف وأشدها، ويترك مغريات يزيد وزاده، وأن ينصر أهل الحق ويرفع رايته باسم الحسين عليه السلام.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1