أنْ يصنع علماء النفس وبيئة المجتمع فردا آملاً مبادرا متفاعلاً، خيراً من الفرد اليائس المكتئب الساكن بلا تفكير ولا حراك ولا مبادرة، الفرد خلية صغرى في النسيج المجتمعي، وتميّزه بالمبادرة تنتهي إلى صناعة مجتمع حيوي مبادر ومنتِج من طراز المجتمعات المتقدمة، وهناك قاعدة مثبتة أن الإنسان نتاج مجتمعه، فضلا عن مساعيه الفردية التي يبادر لتقديمها كي تنمو قدراته ويصدّ المعوقات بقوة إرادته المجبولة من مزيج الأمل والمبادرة في الفكر المفضي إلى السلوك الإيجابي.

كتب علماء نفس مختصون عن الأمل، وأوجبوا الاقتران بينه وبين الفعل النافر، وأكدوا على أن لا فائدة من الأمل اللا مدعوم بالمسعى، وفي التعريف المتعارف للأمل أنه يعني إمكانية تحقيق الأهداف، وكما يقول مصطفى حجازي: هو وثيق الصلة بالتفاؤل، ويعني الأمل في ثقافة القهر والهدر الرجاء بتغيّر الأحوال، بتدخل من عوامل خارجة عن إرادة الشخص، وانتظار الفرج من خلال تلك العوامل، أو هو يعني الرجاء بالتوفيق في المساعي الحياتية والتطلع لتحقيق الأهداف، يختلف هذا الموقف المنفعل الإستجابي الذي تحكمه مقولة الحظوظ كليا عن نظرية الأمل الفاعل المبادر القائم على حسن التدبير وشحذ الطاقات والمثابرة في بذل الجهد المنتظم، وصولا إلى تحقيق الأهداف، هذا هو منطلق نظرية الأمل التي طورها عدد من علماء النفس الايجابي.

وفي المجتمعات العربية على نحو العموم، والمجتمع العراقي بالأخص هناك ميول لليأس وانطفاء شبه تام للأمل، وهي تكاد تكون ظاهرة جمعية وليست فردية أو عينات تحدث عشوائيا هنا أو هناك، وهو ما دعا العلماء المختصون بتمحيص النفس ودراستها، وتشريح الأفكار والسلوك والدوافع التي تحركها، إلى التصدي لهذه الظاهرة ومحاولة استكناه أسبابها ومكامن شيوعها، مع أنها ليست وليدة العصر، فالرجاء والأمل شعور نفسي لازم الإنسان منذ نشأته، وصار يلجأ إليه في المحن التي تعتري حياته، ولكن مشكلة الأمل تظهر بشكل صارخ حين تخلو من المشروع الحركي أو الفعلي، فلا فائدة بالمطلق من آمال عريضة لا تساندها خطط عملية تنتهي بالإنسان إلى التغيير، وقد جرت العادة على اعتبار الأمل نتاجا للحالة الانفعالية (حالة الرجاء والتمني) يرتفع بارتفاعها، ويتراجع بانخفاضها.

أما نظرية الأمل - بحسب المصدر نفسه- فترى على العكس من ذلك أن الانفعال الإيجابي هو بحد ذاته نتاج التفكير بإمكانية صنع النجاح من خلال المثابرة حتى الوصول إلى الهدف، وبالتالي فالتفكير هو المولّد للانفعال كما يذهب إليه (العلاج المعرفي) وينتج النجاح عن التقدم في درب تحقيق الأهداف وعدم الاصطدام بموانع معطّلة، مما يولد المشاعر الإيجابية (حماسة وإثارة دافعية) وعلى العكس من ذلك فحين يصطدم التقدم بموانع قوية يتدنى إدراك النجاح وتبرز المشاعر السلبية من يأس وأسى، وينتج إدراك فشل السعي في تحقيق الهدف من قصور التفكير الوسائلي (إيجاد السبل)، وبالتالي فإن من يصطدمون بموانع سلبية يخبرون مشاعر سلبية، ومن يتقدمون في مساعيهم على درب الوصول يخبرون مشاعر إيجابية.

فالمشاعر هنا والخبرة المكتسَبة ترتبط بنجاح الفرد أو فشله، ولكن يبقى الحافز الإيجابي عنصر أساس في الأخذ بيد الإنسان والمجتمع عموما نحو جادة التغيير، وفي حال جاء تفاؤل الإنسان من دون غطاء فعلي، فإنه لا يجدي نفعا، كما أنه يكون من النوع الكاذب أو المزيف، ويخلو من الأمل، لأن التلازم بين الاثنين (التفاؤل والأمل)، ينتج عن صحة نفسية وجسمانية تؤهل الإنسان كي يكون حيويا نشيطا تفاعلياً، من هنا جاء الارتباط الوثيق ما بين كل من التفاؤل والأمل اللذين يتطوران معا بالصحة الجسمية والنفسية، وقوة المناعة، وحسن الحال والمزاج الإيجابي، والقدرة على التعامل مع الوضعيات الصعبة من خلال آليات إعادة تقدير الوضع، وحل المشكلات، والبحث عن المساندة الاجتماعية وإتّباع أسلوب حياة أكثر صحة يقيهم من الأمراض.

ربما لم يدرْ في أذهان قادة المجتمع العراقي أهمية هذا الحقل العلمي النفسي، حتى المؤسسات العلمية قد يفوتها أن صناعة الإنسان، وحصانته النفسية من أبرز مهماتها، إن خريطة العمل التي قادت المجتمعات المتقدمة إلى مراميها، تشكّلت أولا من الاهتمام المحسوب والمنظّم بالصحة النفسية للفرد، وبادرت بوسائل علمية متقنة إلى زرع التفاؤل والأمل في نفوس الناس، ليس بشكل استعراضي أو مزيّف لأن الهدف هو بناء إنسان آمل متفائل مبادر بصحة جسدية نفسية متكافلة كان هدفها الأول ومهمتها الأكبر، فهل فكّر من يهمه الأمر والمعني بالقيادة بجدية في صناعة فرد مجبول في أفكاره وتحركاته بالأمل والتفاؤل والمبادرة؟، ولماذا لم تبادر المؤسسات العلمية، الجامعات، ومراكز البحوث ومنظمات المجتمع المدني المختصة بصناعة الإنسان الإيجابي، باتخاذ ما يلزم من خطوات فعلية تنقل الفرد العراقي من سلبيته الفكرية وتردده الفعلي وميوله الخاملة، إلى الحركية والحماسة والمبادرة المدعومة بالتفاؤل والأمل؟.

لقد تصدّى علماء النفس لظاهرة الخمول والكسل في الفرد العراقي وقاموا بتأشيرها، لكن اليد الواحدة لا تصفّق، فما فائدة الاكتشاف إذا لم يتحوّل إلى تطبيق فعلي على الفرد ومن ثم مساعدة المجتمع إلى التحول من القنوط واليأس إلى النقيض الذي يُدعَم بالتفكير المتفائل المسنود بالأمل، بالتأكيد تبدو هذه الكلمات نوعا من التنظير الذي لا يلامس واقع الحال، وقد تفصل بينه وبين ما يحصل مسافات طويلة، ولكن علينا أن نسلّم أولا بتقصيرنا في دفع الإنسان العراقي إلى مغادرة اليأس، والتحول إلى الأمل المقرون بالفعل والمبادرة، على أن يكون هذا الشيء سلوك جمعي آلي يسري كالعدوى بين الناس، هنا يمكن أن يصير المجتمع العراقي برمته متفائلا آملا مبادرا، ومغادراً لحالة الركون إلى العدمية والسبات المفرط، إنها مهمة ليست سهلة، بيد أنها ليست مستحيلة أيضا، فحين نعرف المرض ونشخص العلّة ستغدو معالجتها ممكنة.

انقر لاضافة تعليق
صباح قاسم
البصرة
ما أحوجنا لمثل هكذا مقال.. ما أحوجنا للإنسان المبادر .. الله يحفظكم.. ويديم مداد أقلامكم2018-08-25

مواضيع ذات صلة

0