يطرح المفكر الجزائري مالك بن نبي مصطلح اطلق عليه "القابلية للاستعمار"، والذي يرتكز على مسالة جوهرية، وهي قابلية بعض الشعوب لان تكون خاضعة للمستعمر الأجنبي، فالمحتل الذي يحتل أرضا ويسيطر على ترابها فأنه مع مرور الزمن يبقى غازيا ومحتلا لفرد غير قابل للاستعمار، هنا يتدخل "المعامل الاستعماري" وهو المصطلح الذي جاء به مالك بن نبي أيضا، يتدخل المستعمر من أجل خلق نموذج من الحياة والفكر والحركة، وبعد أن تتم السيطرة المعنوية والمادية يصبح هذا الفرد يقبل بالحدود التي يرسمها له الاستعمار ويفكر داخلها، ولا يخرج عليها ويرسم شخصيته طبقا لحدودها، بل ويدافع حتى لا تزول تلك الحدود التي أقنعه بها المستعمر، وحينها نكون هنا أمام فرد يعاني من "القابلية للاستعمار".

في الغالب فإن القابلية للاستعمار هي رضوخ داخلي عميق للاستعمار كما يراه مالك بن نبي، هذا الرضوخ ناتج عن إقناع الاستعمار للافراد المستًعمرين (الأهالي) بتفوقه عليهم وعدم قدرتهم على إدارة شؤون حياتهم بدونه، ودونيتهم في كل شيء. كما يرى مالك بن نبي أن القابلية للاستعمار قد تكون ناتجة عن الواقعة الاستعمارية أي خضوع شعب ما للاستعمار، كما قد تكون ناتجة عن صفات عقلية ونفسية ترسخت في أمة معينة نتيجة ظروف وصيرورة تاريخية معينة، تجعلها تفشل في القيام بفعل المقاومة، وبالتالي الشعور بالدونية اتجاه الآخر المتفوق حضاريا، ويعتقد بن نبي أن كثير من افراد المجتمع الإسلامي يعانون من القابلية للاستعمار حتى ولو كانت بلدانهم غير خاضعة للاستعمار.

يتبنى مالك بن نبي هذه الفكرة من مفهومه وتخصصه في الدراسات الاجتماعية وثقافات الشعوب وعلاقتها بالشعوب والبلدان الأخرى، أي انه يتحدث من منظور واسع لا يختص بالعلاقة الداخلية في المجتمعات انما انعكاس متبنيات الشعب على اليات تعامله مع المتغيرات الخارجية (الاستعمار).

لو اردنا تقليص مفهوم مالك بن نبي وركزناه على العلاقة بين الحاكم والمحكوم، لوجدنا فيه تطبيقات اجتماعية اكثر تاثيرا في هذا العصر بعد ان انتهى عصر الاستعمار وجاء عصر الاقطاعيات السياسية التي يتم دعمها من قبل القوى الخارجية او ان تكوّن نفسها من خلال السيطرة على مقدرات البلد، وبالإضافة الى استفادتها من ثروات الشعب والدعم الخارجي فانها تستفيد من بعض الخصائص الموجودة في المواطن نفسه، وهو ما يمكن ان نسميه "القابلية للاستعباد" اشتقاقا من مصطلح بن نبي.

فما هي القابلية للاستعباد؟ وما هي تجلياتها في المجتمعات المتخلفة؟

القابلية للاستعباد يمكن ان نضع لها تعريفا مشتقا من مفهوم مالك بن نبي الذي تحدثنا عنه، والتي تعني ان سبب خضوع الشعوب للحكام هو وجود استعداد اجتماعي عام على قبول الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي بغض النظر عن مساوئه وحسناته وذلك لحسابات ضيقة لدى كل جماعة اجتماعية تكونت طوال سنوات او نشأت بفعل المتغيرات الجديدة للنظام، كما ان سطوة الحاكم ومدى استبداده يجعل الفرد يخضع للامر الواقع ويدافع بدافع الخوف الذي يتحول بمرور الزمن الى قناعة.

على سبيل المثال فان مواطنا يمكن ان يتعرض لاشد أنواع الظلم وانتهاك حقوقه لكنه يبقى يمجد المجموعة السياسية التي جعلته يصل الى معاناته، والسبب يعود الى رغبته الدائمة بضرورة الحفاظ على الوضع القائم، وان أي تغيير سؤدي الى ما هو أسوأ من الوضع الحالي، وهذا يقودنا الى تقصي أسباب دفاع الفرد في المجتمعات القابلة للاستعباد عن الوضع القائم وبكل شخوصه الذين يعاملونه كعبد، ويجردونه من اغلب حقوقه.

من بين الأسباب العديدة التي تقف وراء رفع الفرد في "المجتمع القابل للاستعباد" هناك الجهل والكوارث التي احدثتها التغيرات السياسية، بالإضافة الى اليات السيطرة التي تتبعها الطبقة الحاكمة، فعلى سبيل المثال، وقعت الكثير من الاحداث السياسية منذ تأسيس الدولة العراقية في بداية العشرينيات من القرن الماضي وحتى اخر انتخابات برلمانية جرت في أيار من عام 2018، كل هذه الاحداث كانت نتيجتها اما إعادة تدوير الوضع السابق لكن بشخوص جديدة، وبعض الشعارات السياسية التي لا تعدل من الواضع الاجتماعي، او ان يعود الوضع الى أسوأ مما كان عليه قبل التغيير الذي كان يتأمله المواطن.

هنا يؤمن الفرد الذي يدافع عن الواضع السيء القائم، ويقبل بان يكون اشبه بالعبد للطبقة الحاكمة التي تنتهك حقوقه، ويرى بانه مظلوم ومضطهد، لكن الظلم الذي تعرفه مصادره وسبل التخلص من ضرباته الموجعة افضل بكثير من وضع لا يمكن الركون اليه، وبكل الأحوال سيكون أسوأ من الان لان التجارب كلها تثبت ذلك.

ومن ادل الشواهد على قابلية الافراد للاستعباد هو الحنين الفاحش لدكتاتورية الطاغية صدام، وحنين بعض الافراد لحاكم جاء عن طريق صناديق الاقتراع لكنه قدم أداء سيئا الا ان ما يجعل هاتين التجربتين مقبولتين ومطلوبتين لدى الفرد "القابل للاستعباد" لانهما تحققان له بعض الأشياء المفقودة في النظام السياسي الحالي.

السبب الاخر والاهم في قابلية الافراد للاستعباد هو الجهل، فعدم معرفة الأشخاص بحقوقهم وواجباتهم وطرق الدفاع عن هذه الحقوق يجعلهم لقمة سائغة للحاكم المستبد، في المقابل يعمل الحاكم المستبد على زيادة جهل الافراد ليس بحقوقهم فقط وانما في مختلف مجالات الحياة، لتسهل عليه مهمة اقتيادهم والسيطرة عليهم.

يوفر الحاكم المستبد كل أدوات استعباد الافراد، عن طريق بناء نظام من المؤسسات التي تموه أهدافه، مثل المدارس والجامعات التي لا تتلائم مع احتياجات المجتمع، هذه الجامعات تقوم على انتاج افراد مهمتهم الأساسية تبرير الوضع القائم والدفاع عن شخوصه، مقابل الحصول على امتيازات بسيطة مثل وظائف حكومية وامتيازات اجتماعية، كما يقوم الحاكم المستبد وحاشيته بالسيطرة على وسائل الاعلام، والتي تقوم مهمتها على الترويج "للقائد الضرورة" الذي لا بد منه. لذلك تجدها (وسائل الاعلام) لا تركز على المشكلات الاجتماعية بقدر ما تحاول ان تضع كل تصريحات الحاكم المستبد وصورته امام الجمهور دائما.

واذا ما انتشر الجهل فان استخدام القوة يصبح فعلا طبيعيا ومبررا للحاكم وحاشيته لان الناس لا يعرفون ما يحق لهم ان يتحدثوا او يطالبوا به، فيضرب كل من يحرك لسانه فيما يتعلق بشؤون السلطة لانه يهدد السلم العام وفق متبنياته، فيولد الخوف المبرر لدى عامة الناس.

المجتمعات القابلة للاستعباد يصعب فيها الحديث عن التغيير الاجتماعي والسياسي، وكل ما يخالف هوى السلطة يعد خروجا ليس على الحاكم بل على القيم السائدة لان الحاكم يحاول من خلال النظام التعليمي والمؤسسات الإعلامية التي يسيطر عليها يؤسس لعلاقة بين وجوده وكيان المجتمع، ليضع في النهاية المجتمع في مقدمة المدافعين عنه، وكأنهم العبيد الذين يموتون من اجل ان يحيا سيّدهم الذي حرمهم من ابسط حقوقهم الإنسانية وهي "حق العيش بكرامة وحرية".

انقر لاضافة تعليق
حامد الجبوري
مقال جيد وأحيّ الكاتب على هذا الافراز الجديد بناءا على ماكتبه مالك بن نبي.
الشيء الذي غاب عن ذهن الكاتب هو الاستبداد الديني وهذا ما أشار إليه الكواكبي في كتابه " طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" حين قال "تضافرت آراء أكثر العلماء الناظرين في التاريخ الطبيعي للأديان على ان الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني"
دمت متألقاً يارائع.2018-06-04

مواضيع ذات صلة

0